يبدو أن منطقتنا تشهد بالفعل صراعاً حاداً بين السلام والحرب فكل الاحتمالات ممكنة وجميع البدائل قابلة للتحقق وهذا ما شهدناه طوال الأسابيع الماضية فمن الحشد العسكري الإسرائيلي في الجولان بذريعة المناورات إلى التصريحات شبه اليومية الصادرة عن أكثر من مسؤول إسرائيلي حول الرغبة بتحقيق السلام مع سورية والدعوة لبدء مفاوضات مباشرة معها. لدرجة اختلطت معها المسائل إلى حد كبير فلم نعد نعرف هل المناورات هي تغطية لمفاوضات سلام تريدها إسرائيل وتدفع باتجاهها؟ أم إن الدعوة للسلام هي تمويه، تحضيراً لعدوان يتم الإعداد له بحذر وعناية!! وطوال الأيام الماضية تفرغت القيادات الإسرائيلية للرد على ما جاء في خطاب القسم للرئيس بشار الأسد بشأن السلام حيث رفضت إسرائيل ما جاء في هذا الخطاب وفقاً لما أعلنه رئيس الوزراء أولمرت الذي ذكر أن «الرئيس الأسد قال إنه يجب على إسرائيل الانسحاب حتى خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وهذا بحد ذاته يعتبر شروطاً مسبقة، ولا يمكنني التصريح بأي التزامات قبل خوض المفاوضات».!! كما صدر العديد من التصريحات والمواقف الأخرى التي اعتبرت أن الموقف السوري غير سليم وأنه تشدد لا مبرر له ولا يعبّر عن الرغبة الحقيقية بالسلام!! فما حقيقة الموقف السوري من هذه المسألة ومن الذي يضع الشروط المسبقة في حقيقة الأمر؟ لو عدنا إلى المطلب السوري لوجدناه يتعلق بالالتزام بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في الرابع من حزيران. والسؤال هنا: أليس هذا هو مضمون القرار 242 الصادر في العام 1967 والذي يشكّل المرجعية الحقيقية لأي مفاوضات سلام مع إسرائيل؟ فهذا القرار ينص على التزام وإلزام إسرائيل بالانسحاب من كامل تلك الأراضي وسورية الآن لا تطالب بأكثر من هذا، بمعنى أن الرئيس في خطابه كان يشترط أن تلتزم إسرائيل مسبقاً بتنفيذ القرار 242 أي التقيد بالشرعية الدولية إضافة إلى أن مبدأ الأرض مقابل السلام هو مرجعية أي عملية سلام مفترضة.. فإذا لم يوجد مثل هذا الالتزام المسبق فإن إسرائيل ستعيد لعبة التفاوض معنا وستفاوضنا لأجل مبدأ التفاوض بحد ذاته وبحيث يكون هو الغرض والغاية كما فعلت من قبل وطوال عقد كامل!! ولذلك فإن ما تقوله سورية هو: إنه ينبغي أن يكون هناك التزام مسبق بالانسحاب من الأراضي حتى حدود الرابع من حزيران استجابةً- ليس لشروط سورية والرئيس الأسد- وإنما لمضمون القرار 242 وبعدها سيكون التفاوض حول آلية الانسحاب وترتيباته ومضمون السلام الذي ستحصل عليه بالمقابل وهذا هو الوضع الطبيعي لأي عملية سلام ُيشكل التفاوض وسيلة فيها وليس غرضاً بحد ذاته.. وأما بالنسبة لمن يضع الشروط المسبقة فعلينا أن نعيد قراءة ما ذكره المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية مارك ريغيف والذي قال: «المشكلة تكمن في أن سورية هي البلد العربي الوحيد الذي له شراكة استراتيجية مع إيران، وهو البلد العربي الوحيد الذي بنى علاقة تعاون مع جماعات متشددة مثل حماس وحزب اللـه والجهاد الإسلامي». ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء كبير لندرك أن إسرائيل تشترط مسبقاً إنهاء علاقاتنا مع إيران وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان حتى نصبح مؤهلين للسلام بالمفهوم الإسرائيلي وهذا هو شرط إسرائيل الواضح والمسبق الذي تعلنه للعالم أجمع فيسمعه وينصت له ويفهمه جيداً ثم يتهمنا- نحن كالعادة- بوضع الشروط المسبقة للسلام!!الذي يبدو أنه لن يأتي في القريب العاجل!!!