إذا كان الفكر ثمرة الممارسة المتمظهرة بالعلاقات مع الناس والطبيعة، فإن الممارسة هي التعبير الحيوي عن الفكر الحي. أي إن ترابط الفكر والممارسة هو كترابط الدجاجة بالبيضة، لا وجود لاحدهما إلا مِن الأخرى.

عليه، وانطلاقاً مِن أن السياسة هي الممارسة المجتمعية، باعتبارها رعاية لشؤون الناس، أي انجازاً لحقوقهم، وحماية لسيادتهم وأمنهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالنظر إلى أن دولة اسرائيل لم تلد في سياق طبيعي، بل جرى فرضها بقوة الحراب المستندة إلى فكر عنصري بحاضنة دولية، وكانت على حساب شعب آخر، هو الشعب العربي الفلسطيني، فقد كان مِن المنطقي أن ينتهج القادة الإسرائيليون سياسة تقوم على فرضية تقول: إن الحروب وفرض الحقائق على الأرض، تخلق واقعا سرعان ما يُعترف به، أو تتم المساومة عليه في مراحل عقد التسويات. وقد عبَّر يغئال آلون عن تلك السياسة في احدى منطلقات مشروع "للتسوية"، كان تقدم به بعد شهر على هزيمة عام 1967، وطوره لاحقا عام 1976، بالقول: "فلو ان إسرائيل سمحت لجيشها عام 1949 باحتلال كامل الضفة الغربية لما كان يخطر ببال أحد الآن ان يدّعي ضد حق اسرائيل بالبقاء في المدينة القديمة او الخليل او نابلس".

في السياق يقول "أرسكين شليدر" في كتابه "تهويد فلسطين": "إن الإستيلاء على الأرض وطرد السكان ليس ناجماً عن طبع شرير عند اليهود، بل هو مِن مقتضيات إقامة الكيان الصهيوني الذي ما كان ليقوم إلا بأرض أكثر وعرب أقل".

لا شك، أن القادة الإسرائيليين بانتهاج هذه السياسة العدوانية التوسعية، والمبالغة فيها إلى درجة عدم تقدير ما تخلقه مِن استفزاز لكتلة ديموغرافية عربية ضخمة، ليس بمقدور الطاقة الديموغرافية الإسرائيلية المحدودة ارضاخها إلى ما لا نهاية، إنما يعبثون على المدى البعيد بمصير مواطنيهم أيضاً، بل يمكن القول إنهم بذلك، إنما يتسلّون بمواطنيهم، عبر وضعهم في حالة حرب دائمة مع هذه الكتلة العربية الضخمة، تماماً كما كان نبلاء روما يتسلون في مشاهدة لعبة إستثارة أسد بعد وضعه مع عبدٍ ليصارعه، فيكون مصيره "يا مقتول يا مقتول". ولكن هذا لا يلغي حقيقة أن القادة الإسرائليين عبر انتهاج تلك السياسة، قد حققوا حتى الآن نتائج ونجاحات سياسية نوعية. وقد أسهمت النتائج الإستثنائية المبهرة التي حققتها إسرائيل في حرب 1967، في تعزيز ثقة القادة الإسرائيليين بتلك السياسة، وأفضت إلى زيادة الرهان عليها، فمع نتائج تلك الحرب، تضخمت الذات "الإسرائيلية" وطموحاتها التوسعية، حدَّ إتخاذ الإراضي التي إحتلتها مِن الدول العربية المحاذية لفلسطين رهينةً تساوم عليها لإجبار النظام العربي على التخلي رسمياً عن فلسطين مقابل إعادة تلك الأراضي، وحدَّ التعامل مع الضفة وغزة كإطارٍ لإحتواء جوهر القضية الفلسطينية وأصلها، حق العودة، فضلاً عن قضايا القدس والحدود والمياه والتجمعات الأساسية لمستوطنات الضفة الغربية.

واليوم، وبعد ستين عاماً على "النكبة"، وبعد أربعين عاماً على احتلال ما تبقى مِن فلسطين في حرب عام 1967، يجد القادة الإسرائيليون في الهيمنة المنفردة للإدارة الأمريكية على السياسة الدولية ومؤسساتها، علاوة على الشرخ الفلسطيني الداخلي القاتل وتفكك السياسة الرسمية العربية وعجزها، فرصة نادرة، وشروطاً مناسبة لا يمكن تعويضها، للسعي إلى ترسيم ما جرى فرضه مِن حقائق على الأرض، عبر مطالبة النظام الرسمي العربي بتطبيع علاقاته مع دولة إسرائيل قبل، ودون تنازلها عما فرضته بقوة الحراب مِن حقائق على الأرض. وذلك رداً على مطالبة (رجاء) "المبادرة العربية" بتخلي الإسرائيليين عن تلك الحقائق أولاً.

هذا برغم أن المطلب الإسرائيلي بالتطبيع (علاقة غير عدائية) أولاً، لا يقفز عن الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني فقط، بل ينتهك أيضاً اشتراطات قرارات الشرعية الدولية للتطبيع بين العرب ودولة إسرائيل، التطبيع الذي يلخصه الكاتب عبد الفتاح القلقيلي وفقاً للقانون الدولي على النحو التالي:

أ-إذا انسحبت إسرائيل من أراضي غزة والضفة الغربية ما عدا القدس وبعض المستوطنات ومعسكرات الجيش، تبقى إسرائيل معتدية ومحتلة(حسب مقاييس اتفاق أوسلو وكافة القوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية). ب-إذا انسحبت إسرائيل من كل أراضي غزة والضفة الغربية بما فيها القدس ومناطق المستوطنات ومعسكرات الجيش، وعادت إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967، فإن إسرائيل تبقى معتـديــــة ومحتـلة لـ52،4% من أراضي الدولة الفلسطينية وذلك حسب مقاييس الأمم المتحدة وخاصة قرار181 عام1947 الخاص بالتقسيم. ج-إذا انسحبت إسرائيل من كل أراضي الدولة الفلسطينية(حسب قرار181)، ولم تسمح بعودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم، تصبح إسرائيل غير محتلة، ولكنها تبقى معتدية، وذلك حسب مقاييس الأمم المتحدة وخاصة قرار194 الخاص بعودة اللاجئين وتعويضهم. د-إذا انسحبت إسرائيل من كل أراضي الدولة الفلسطينية(حسب قرار181)، وسمحت بعودة اللاجئين(حسب قرار194)، تكون إسرائيل غير معتدية وغير محتلة(وذلك بمقاييس القرارات والاتفاقات الدولية).

ذلك يعني أن القادة الإسرائيليين عندما يطالبون العرب بـ"التطبيع أولا"، إنما يطالبونهم بـ"التتبيع" وليس بالتطبيع، وذلك بمقاييس القانون الدولي، وليس بمقاييس الحق التاريخي للشعب الفلسطيني فقط.

ولكن صلف قادة إسرائيل المستند إلى ما فرضوه مِن نتائج ونجاحات نوعية على الأرض، عبر انتهاج سياسة عدوانية توسعية، لم يكن ليكون، وليس معزولاً عن عاملين أساسيين، يتمثل الأول فيما تحظى به مطالبهم مِن دعمٍ دولي، أمريكي أساساً، أما الثاني، فيتمثل في كيفية ادارة الصراع مِن قِبَلِ غالبية النخب القيادية الرسمية العربية، التي انتقلت مِن وعي عنتري قبل هزيمة عام 1967، إلى وعي مهزوم بعدها، لم تشفِه الإنتصاراتُ التي سطرها فعل عربي وفلسطيني مقاوم، لتحصد السياسة العربية نتائج مأثور القول: "إن مَن يطيش على شبر ماء، يغرق أيضا في شبر ماء"، ما قَيَّد مبادرات تفعيل الإمكانيات العربية الواقعية لتجاوز الوعي المهزوم، والإنتقال إلى الوعي الواقعي بالممكن في مقدرات أمة العرب الهائلة.

قال أرسطو: "الفضيلة هي موقع الوسط بين رذيلتين"، أي بين الإفراط والتفريط، لكن يبدو أن غالبية النخب العربية الحاكمة، وبدل إختيار موقع الفضيلة في تقييم الذات والعدو قبل هزيمة عام 1967 وبعدها، إختارت الوقوف في موقع الرذيلة مرتين: الأولى حين ضخمت قوتها وقزمت قوة العدو قبل الهزيمة، والثانية حين قزمت قوتها وضخمت قوة العدو بعد الهزيمة، ما أفضى إلى خلقِ وعي خرافي عن الذات والعدو قبل الهزيمة وبعدها.

والحال؛ ورغم أن مطالبة القادة الإسرائيليين للعرب بـ"التطبيع أولاً"، تشكل مطلباً بـ"التتبيع" وليس بـ"التطبيع" بمقاييس القانون الدولي وقرارات الشرعية ذات العلاقة بالصراع، إلا أن مركز القرار الرسمي العربي لم يحرك ساكناً، اللهم اتخاذ قرار بتفعيل "المبادرة العربية"، التي لا يمكن أخذها على محمل الجد إلا في حالة اقترانها بقرار يهدد، أو يلوح بالتهديد على الأقل، بتفعيل ما يمتلكه العرب مِن عوامل قوة، علماً أن ما تعيشه السياسة الأمريكية في المنطقة مِن مصاعب وانتكاسات، يسمح بالاقدام على مثل هذا القرار، بل ويزيد؛ فمأزق "المحافظين الجدد" الشرق أوسطي، وحصاده المر جراء انتهاج بدعة "الفوضى الخلاقة" لكل صنوف الحروب والفتن الداخلية، في العراق وافغانستان ولبنان وفلسطين والمنطقة عموماً، يشكل عاملاً يمكن توظيفه لصالح الحقوق العربية والفلسطينية المغتصبة، إنما بالضغط على الشريان الأمريكي الراعف، وليس عبر مواصلة سياسة التوسل والتمني والارتهان، فالنتائج الواقعية لأية عملية سياسية، يحددها ميزان القوى وتوظيف عوامل القوة في نهاية المطاف. وهذا ما أعتقد أن على مركز القرار العربي ادراكه، والعمل وفقه، إن هو شاء عدم السقوط في خطيئة "التتبيع"، تعمل القيادة الإسرائيلية جادة هذه الأيام، بدعم أمريكي، على تجريعه للرسميين العرب.