إن الأزمات السياسية التي تصيب الدول سواء كانت عالميّة أو إقليميّة أو حتى داخلية محليّة، فإنها تعني مجموعة من التفاعلات بين قوى متعددة تعيش حالة صراع شديد لا يبلغ درجة المواجهة المسلَّحة أو الحرب، مع الإدراك بوجود احتمال عال لنشوبها ووقوعها، وهي تتطلب من صناع القرار والمسؤولين اتخاذ موقف وخطوات عملية واصدار قرارات جوهرية قد تكون مصيرية في بعض الأحيان، لأن الأزمات السياسية غالبًا ما تهدد المصالح العليا للدول.

وتتميز الأزمات بأنها حالة عالية من التوتر، تكون نقطة جذب لقوى متعدّدة بدرجات متفاوتة، وذلك حسب درجة تأثر مصالح كل طرف بتطورات الأزمة وتعقيداتها، مع التنبه الى أن خيارات الحلول التي تُطرح خلالها تكون موضع شك من قبل الأطراف.

غير أن الأزمات السياسية بالقدر التي توحي فيه بالخطورة والحدّة، إلا أنها تعبّر بنفس القدر عن فرص الحلول المحتملة، لأنها تضع القوى والأطراف كافّة أمام وطأة ضرورة اتخاذ قرار واضح وسريع . يقول ريتشارد نكسون وهو يلخص وجهة نظره حول تعريف الأزمة " إنّ مفهومي الأفضل للأزمة توضحه الطريقة التي يكتب بها الصينيون الكلمة باللغة الصينية إذ يرمزون لها بشكلين: أحدهما يُعبِّر عن الخطر، والآخر يُعبِّر عن الفرصة "

لذلك فإنه من الذكاء والتصرف الموضوعي الذي يتسم بالبراعة أثناء تطوّر الأزمات، هو توفير المناخ والقدرة على دفع الأمور لإيجاد حلّ للصالح العربي، إن كثير من الأزمات الإقليمية المتعاقبة عبر التاريخ أعادت صياغة العالم وعدّلت أنظمة سائدة وأعادت أخرى بائدة . إن المحلل السياسي المحايد لاستراتيجية مسار ما يعرف بالأزمة العربية-الإسرائيلية، يجد أن إسرائيل تفتعل الأزمات، لأجل إحداث تعديلات تكون لصالحها وتريد إقرارها على أرض الواقع،كما أن خريطة ما يُعرف "بالطريق" و "الشرق الأوسط الجديد"، قد تغيرت تدريجيًا عبر افتعال أزمات إقليمية وتفجيرها على فترات متعاقبة، حيث تمّ في الفترات الفاصلة بين كل أزمة وما يليها من الأزمات عملية تغيير فُرضت على عمليًّا على الواقع، بصرف النظر عن مدى نجاح هذه الاستراتيجية، فإن الأزمات تخدم بعض القوى وتمنح الفرص لفرض الشروط من خلال سرعة اتخاذ القرار لتطويع اتجاهات الأزمة بما يخدم أغراض بعض القوى ومصالحها.

إن العلاقات الدولية سواء كانت إيجابية أم سلبية، فإنها تنظر إلى "القوة" باعتبارها العامل الأسمى في السياسة القومية، فهي أشبه ما تكون بالمركز العصبي في جسم الإنسان، حيث يمكن عن طريق القوة دفع التهديدات وحماية المكاسب واطلاق الجهود وتحقيق الأغراض.

وعملية "توازن القوى" هي تلك اللحظة التي تشير إلى أن قوّة الأطراف المُتنازعة قد وصلت الى حدٍّ يتعذَّر عليها جميعًا في ظلها اللجوء الى استخدام القوة لفض النزاعات، وهو ما يطلق عليه "الردع المتبادل" حيث يقتنع أفراد النِّزاع أن الخسائر المحققة تفوق المكاسب المرجوة.

ولعل الحنكة في إدارة الأزمات تكمن في المزج بين القوة والديبلوماسية من خلال التفاوض، غير أن المشهد الإقليمي يكشف أن هناك محور ذو طرفين أحدهما يستعمل القوة دون دبلوماسية، والآخر يطل الى العالم من خلال ديبلوماسية ناعمة لا تستخدم فيها حتى قوة الكلمة.

فاستعمال القوة كوسيلة وحيدة لممارسة السياسة هو نوع من التهور وهو يؤدي لا محالة الى فشل ذريع في تحويل الانتصارات او الهزائم الى واقع سياسي، فسياسة ادارة المحافظين الجدد انتهجت خط القوة المباشرة في العراق في ظل فرض إملاءات صارمة على الجوار العراقي، غير أن ما حُقق عسكريًّا فشل فشلا ذريعًا في تحويل الواقع العسكري الى واقع سياسي.

بالمقابل فإن استخدام الديبلوماسية دون ارتباط وثيق بالقوة عمل عقيم، يدخل في إطار "الرومانسبية" وهي مجال لا يصلح للصراع الذي لا يعرف إلا الواقعية، ولعل حال الديبلوماسية العربيّة وحال الجامعة العربية، خير دليل على ذلك لأن عملية الاعتماد على الديبلوماسية كوسيلة وحيدة لممارسة السياسة أدى إلى عقم الحلول من جهة كما ولّد نفور شعبي حادّ تجاه الأنظمة.

فشعوب المنطقة ترزح اليوم تحت فشلين ذريعين، فشل مشروع المحافظين الجدد وفشل الديبلوماسية العربية، الأمر الذي أدخل المنطقة في دوامة من الفوضى العشوائية لا رابح حقيقي فيها ولا معالم واضحة لنهايتها في الأفق القريب.

ولعل على سياسي العرب استباق شعوبهم واخذ المبادرات لأن تجاهل الأزمات هو في حدّ ذاته أزمة، فالسياسي مدير الأزمة يشبه – كما قال هنري كسنجر – في كتابه "عالم أُعيد بناؤه" - أبطال الدراما الذين يخترقون ببصيرتهم حُجُب المستقبل، وإن كانوا عاجزين على تحديد معالمه. والشعوب تتعلم بالتجارب لذلك فإن السياسيّ الناجح هو الذي يسبق شعبه ويتحرّك وكأن بصيرته هي التجارب التي مرّت وكأن رؤاه المستقبلية حقائق الحياة .

مصادر
ايلاف