أكدت ردود الفعل السورية والإسرائيلية والتركية حيال الخرق الإسرائيلى للأجواء السورية على ثلاثة مسائل: 1 - ان انتهاكا جويا إسرائيليا حصل بالفعل للأجواء السورية. 2 - ان المقاتلات الإسرائيلية ألقت حمولة زائدة من خزانات الوقود فى أراض تركية قريبة من الحدود مع سوريا.

3 - ان "التلويح السورى برد مناسب" مقابل الصمت الإسرائيلى أثار تكهنات بأن شيئا قد حصل يتجاوز أمر التحليق فى الأجواء السورية، وهذا الشيء قد يكون السعى لضرب هدف سورى استراتيجي، أو الوصول اليه فى محاولة لاختراق المنظومة الدفاعية السورية. فى آخر المعلومات القليلة المتوافرة حول الحادثة والمستقاة من تقارير تركية اعلامية، فى ظل التعتيم الإسرائيلي، أشارت هذه التقارير إلى ما حدث ليل الأربعاء والخميس "الأسبوع قبل الماضي" بين سوريا وإسرائيل، والى أن المقاتلات ألقت خزانى وقود فوق الأراضى التركية لتسهيل هربها، فيما كانت مهمتها جمع معلومات استخباراتية عن محطات مراقبة أو رادارات فى الأراضى السورية فى نقطة مقابلة لمنطقة شانلى أورفة التركية، وان سوريا أطلقت صواريخ "سام" ما اضطر الطائرات الإسرائيلية للقيام بمناورة للتخلص من خزانات الوقود وتسريع هربها. وذكرت التقارير من دون أن تذكر مصادرها أن عدد الطائرات الإسرائيلية كان من ثلاث إلى أربع طائرات ومن طراز "أف 15-أي" التى صنعتها شركة بوينغ الأميركية والتى حصلت إسرائيل على 25 منها نظرا لإمكانية هذه الطائرات التحليق لمسافات طويلة تبلغ 1300 كلم بفضل خزانات الوقود الإضافية فيها والتى يقال انها تستهدف ضرب إيران. وأشارت التقارير إلى أن الطائرات الإسرائيلية عبرت إلى الأراضى السورية فى الساعة الثامنة عشرة منتصف الليل عبر قضاء سامان داغ فى محافظة هاتاى "الأسكندرون" عند الحدود السورية ثم اتجهت شمالا عبر منطقة كيريك خان محلقة على ارتفاع منخفض جداً. وقال مواطنون فى هذه الأقضية أن الطائرات كانت تحلق على ارتفاع 500 متر فقط وان زجاج المنازل قد ارتج. وما لبثت الطائرات ان اختفت فوق قضاء حسة فى هاتاي. وفى هذه الأثناء أسقطت الطائرات الإسرائيلية خزانين من الوقود فى قضاء أوغوزيلى عند مزرعة بويوكغير على بعد 3 كيلومترات من الحدود السورية.

أنقرة وإيضاحات

وفى وقت تنكب دمشق على استكشاف خلفية الانتهاك الإسرائيلى لمجالها الجوي، وعلى درس سلسلة من الردود فى حال تكرر مثل هذا الانتهاك، طلبت أنقرة من تل أبيب إيضاحات فى شأن خزانى وقود عثرت عليهما السلطات التركية المحلية فى أراض زراعية جنوب شرقى البلاد على مقربة من الحدود السورية - التركية، بعدما تبيّن أن هذه الخزانات تعود إلى مقاتلات "أف 15" يستخدمها الطيران الإسرائيلي. وهذا الطلب التركى أوحى أن التحليق الإسرائيلى قرب الأجواء التركية لم يتم بعلم من أنقرة رغم أن تركيا تربطها بإسرائيل اتفاقية تعاون عسكرى موقّعة بينهما.

فى إسرائيل يرى خبراء أن الطائرات الإسرائيلية لا يمكن أن تتحرك إلا بقرار من أرفع المستويات بمن فى ذلك رئيس الحكومة إيهود أولمرت، ووزير الدفاع إيهود باراك، ورئيس أركان الجيش غابى أشكينازي. وبما أن هذه العملية تنطوى على مغامرة قد تودى بحياة مجموعة من خيرة الطيارين وبطائرات باهظة الثمن، فإنه لا بد أن تكون وراءه أهداف كبيرة جداً تستحق دفع مثل هذا الثمن. ورغم ان الطيران عبر البحر ليس "بطولة"، ورغم ان الطائرات هربت متخلية عن خزاناتها، فقد قالت أوساط إسرائيلية أن الرسالة الإسرائيلية لسوريا هى أنها تستطيع الوصول إلى كل نقطة فى الأرض السورية من دون أن يلحق بها أذى. حيث طارت الطائرات من إسرائيل وعبرت البحر قرب الأجواء اللبنانية ثم دخلت سماء سوريا وطارت على علو منخفض ووصلت إلى مثلث الحدود السورية - التركية - العراقية من دون أن تُكتشف، ثم اخترقت حاجز الصوت فى خطوة تظاهرية استفزازية واضحة وألقت بالذخيرة ثم غادرت وعادت إلى قواعدها سالمة.

ولكن إسرائيل فوجئت بالرد السوري، وأدركت أن مثل هذا الخطاب السورى من شأنه أن يصعّد التوتر ويطوره إلى تدهور حربى فوضعت إسرائيل ذيلها بين رجليها، وسارعت إلى تفعيل آليتها الدبلوماسية فى أوروبا لكى توضح بأنها لا تنوى الحرب مع سوريا وليست معنية بهذه الحرب بأى شكل من الأشكال، وتقول فى الوقت نفسه أن الجيش الإسرائيلى دخل إلى حالة تأهب قصوى لمواجهة خطر هجوم سورى انتقامي. ويقول مراقبون ان سوريا تشعر بالقوة والثقة لانها تملك قدرات ردع هائلة ليس أقلها عشرات الآلاف من الصواريخ متوسطة المدى التى يمكن، لو أطلقت دفعة واحدة، ان تحول إسرائيل الى أرض يباب، ليكون بعدها ما يكون.

وأفادت الإذاعة العسكرية ان الجهات الأمنية المختلفة تحاول فهم مغزى التحذير السورى بأن "سوريا تحتفظ لنفسها بحق الرد" وتقدير الرد المتوقع. وبحسب هذه الجهات، فإن سوريا لم تقرر حتى الآن طبيعة الرد الذى ستختاره، معتبرة الأيام القليلة المقبلة "أيام اختبار للنيات السورية". وأضافت الإذاعة ان المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحذر من احتمال ان يتمثل الرد السورى باعتداءات تفجيرية على أهداف إسرائيلية فى أنحاء العالم. وبحسب هذه الجهات، فإن سوريا لم تقرر طبيعة الرد الذى ستختار، فهى تريد ان تبقى خياراتها مفتوحة.

الصمت أجّج التوتر

وفى الواقع، أجج الصمت الإسرائيلى الرسمى التوتر وغذى التكهنات والشائعات وأتاح المجال لاجتهادات فردية لتحليل ما حصل و"تنبؤ" انعكاساته. وتباين تعامل وسائل الإعلام المختلفة مع ما حصل، ففى مقابل كلمات "أنا هادئ الأعصاب" التى نسبت إلى أولمرت فى العنوان الرئيس فى "يديعوت أحرونوت"، صدرت "معاريف" بعنوان تحذيري: "على شفا الانفجار"، فيما شهدت المواقع الاخبارية على شبكة الإنترنت سيلا من "التحليلات" تكهنت بدوافع التحليق الجوى الإسرائيلى وتراوحت بين اعتباره "تحليقا استطلاعيا تقليديا فى سماء المنطقة لجمع معلومات استخبارية، والتعرف على منظومات الدفاع السورية الجديدة وفحص يقظتها وجهوزيتها، وقيام الطائرات الإسرائيلية بفحص ما إذا كانت قادرة على الوصول إلى إيران "لضرب المفاعل النووي"، ورسالة ترهيب لسوريا، وجمع معلومات عن عناصر تنظيم القاعدة فى سوريا، ورسالة تحذير لرئيس المكتب السياسى لحركة حماس خالد مشعل المقيم فى سوريا، ومحاولة من أولمرت لصرف الأنظار عن قضايا الفساد العالق فيها". بل ان ترهات الصحافة الاسرائيلية ذهبت الى القول ان اسرائيل ربما حاولت خطف وزير سورى لمقايضته بالجنديين الأسيرين لدى حزب الله. ولم تقل تلك الصحافة لقرائها ما إذا كانت طائرات "أف 15" تستطيع الهبوط على سطوح المنازل أم لا، وذلك لأن غباء قراء الصحافة الاسرائيلية يسمح بالكثير.

وعلى رغم الاختلاف فى وجهات نظر كبار المعلقين فى شأن ما حصل وانعكاساته المتوقعة، إلا أنهم اتفقوا على أن سوريا، وخلافا للماضى حين لم تردّ سوى بالتصريحات والوعود على اختراق أجوائها، قد ترد فعلا هذه المرة "بعد أن فقدت القدرات الردعية الإسرائيلية من هيبتها فى الحرب الأخيرة على لبنان وبفعل تزوّد سوريا دفاعات أرضية متطورة وعتادا عسكريا حديثا من روسيا. وانه فى حال اقتنعت سوريا بأن إسرائيل تنوى شن حرب عليها، قد تقرر دمشق أن لا مفر أمامها سوى توجيه ضربة استباقية". وقالت جهات أمنية إسرائيلية ان حال التأهب والاستنفار فى قوات الجيش فى الجولان وفى الممثليات الدبلوماسية ومؤسسات إسرائيلية ويهودية فى أنحاء العالم، ما زالت على حالها، وأضافت أنه رغم ان إسرائيل تأخذ التحذيرات السورية على محمل الجد، إلا أن ثمة تقديرات بأن سوريا لن تستعجل اتخاذ خطوات عسكرية وانها ستحاول فى البداية جنى مكاسب دبلوماسية على المستوى الدولي.

إسرائيل وهيبة الردع الزعوم!

إلى ذلك، تبدلت لهجة معلقين بارزين "انتقدوا التحليق الإسرائيلي" غداة حصوله. وبدأ من مقالاتهم ان المعلومات التى فى حوزتهم المحظور عليهم نشرها أو التلميح اليها، تشير إلى أن إسرائيل نفذت "عملا يعيد لأجهزتها الأمنية الكثير من هيبة الردع التى فقدتها فى الحرب على لبنان قبل عام". وكتب أحد المعلقين أن أحداث الأسبوع الأخير وضعت حدا "لزخم الحرب على لبنان، وأعادت معادلة الردع إلى سابق عهدها، إذ تمّ التوضيح لسوريا ان هامش المناورة الإسرائيلى ما زال كبيرا". واعتمد المعلقون فى تعليقاتهم "الارتياح الذى يبديه وزراء وقادة أمنيون للتطورات الأخيرة ولطريقة اتخاذ المستويين السياسى والعسكرى القرارات فى الأسابيع الأخيرة". ورأى هؤلاء ان تحدى إسرائيل للمنظومة الدفاعية السورية المتطورة "يربك سوريا ويجعل رئيسها يعض على النواجذ ولا يستعجل الرد فى المستقبل القريب على الأقل". ولفت المعلق فى "هآرتس" عاموس هارئيل إلى تراجع اهتمام الإعلام السورى بالخبر "فيما لم يسرع الرئيس بشار الأسد إلى اطلاق تصريحات، ويبدو أنه قرر هذه المرة ضبط النفس وعدم التسبب فى حرب". لكن الكاتب سرعان ما استدرك ليضيف انه من السابق لأوانه الجزم بأن سوريا لن ترد "وعليه فالشهر المقبل مصيري".

وهكذا حاول المعلقون الاسرائيليون، فى كيان يشعر بالهزيمة، انهم صنعوا بطولات وهمية تكفى لمنح الاسرائيليين المذعورين شعورا بالارتياح يقول لهم ان حكومتهم قادرة على حمايتهم. وطالما ان الغباء يسمح بالكثير، فان الطيران عبر البحر والدخول عبر أراضى بلد ثالث والهرب قبل النزول على سطح أى منزل، لابد له ان يعنى الكثير بالنسبة لشعب مهزوم وحكومة تبحث عن بطولات وهمية.