منذ يومين تداولت وسائل الاعلام العالمية خبرا مفاده، (أن وزير الصحة الماليزي تشوا سوي لك استقال من منصبه، بعد يوم على اعترافه بأنه هو نفس الشخص الذي يظهر في لقطات جنسية في أحد الفيديوهات التي انتشرت على الانترنت. مشيرا الى أن إن السيدة التي ظهرت في الفيديو هي صديقة له. وعند سؤاله عن مصدر الفيديو قال: " خصومي السياسيون غالبا قاموا بتصويره ولكن الأمر لم يعد يهم الآن".)

شاهدت الخبر على احدى الفضائيات العربية التي نقلته تحت عنوان "استقالة وزير ماليزي بعد فضيحة جنسية "

تساءلت فور سماعي للخبر: اين الفضيحة؟؟ وهل من حقنا ان نتدخل في الحياة الذاتية للآخرين؟؟؟ وهل اشتغال الفرد في القطاعات العامة يبيح للبشر اقتحام حياته الجنسية؟؟ والاعتداء على حرمته الجسدية من خلال تصويره؟؟؟ و ماهي الفائدة التي يحققها الناس من مشاهدة أفراد مشهورين كانوا او غير مشهورين وهم في وضعيات جنسية؟؟ أليس الامر بسيط وطبيعي وليس غريبًا؟؟

في الحقيقة لا يوجد في الأمر أي فضيحة، فالامر عادي جدًّا وبسيطٌ جدًّا رجل وإمرأة في وضع طبيعي للغاية، كما سائر كائنات الكون، بغض النظر عن هويته و هوية شريكته... فليس من شأننا ولا من حقنا تحديد شرعية العلاقات الجنسية بين الناس، انه حق فردي بحت يختاره الكائن بنفسه وليس من حق احد التدخل فيه وفي آلياته.

ربما الفضيحة الحقيقية تتمثل في اقتحام البعض لحياة الآخرين، وفي الابتزاز الذي يمارسه البعض لتحقيق المكاسب بطريقة دنيئة وممارسة الضغوط بطرق منحطة لاجبار فرد ما على التخلي عن مواقفه السياسية او منصبه الاجتماعي... في وقت تعاني حكومة رئيس الوزراء عبد الله بدوي ضغوطات حادة وصعوبات حيث شارفت البلاد على الانتخابات المقرر اجراءها الاسابيع المقبلة.

إنها سياسة التخوين والابتزاز والصاق التهم بالاخرين وتصيد الاخطاء ونشرها على انها كارثة لا تغتفر. في المجتمعات المريضة يحارب المرء بأخلاقه لا بمسؤولياته، ولو راقبنا بعض المحطات في حياة بعض الافراد، نجد ان هناك افراد كُفرّوا وابيحت دمائهم لأجل أفكارهم، ونجد ان بعض المبدعين مورست ضدهم حملات اعلامية منظمة واُلصقت بهم التهم لأجل مقالٍ صغير او فكرة او موقف، ولو نجح أحدهم في مسألة لانهالت عليه الانتقادات من كل حدب وصوب مشككة في مصداقيته مقللة من شأنه...

كما ان الفضيحة ليست في مضمون الفيلم وصوره فهي مشاهد عادية، ولكن في الوصاية التي اجازت للافراد باقتحام خصوصيات الآخرين ونشرها؟ أليس من النُبل والصدق والشفافية ان الرجل اقرّ انه هو الشخص الوارد في الصور؟

وعند متابعتي الامر وجدت ان الوزير تشوا هذا، كان موضع انتقاد حادٍّ في فترة سابقة، عندما اقترح توزيع واقيات ذكرية على الشباب مجانا للحماية من الإصابة بالأمراض الجنسية وهو الاقتراح الذي قوبل بمعارضة شديدة ورفض قاطع.

لماذا المعارضة؟ مجرد اقتراح لاتخاذ خطوة وقائية توعوية من وزير صحة معني بصحة شعبه قوبلت بالرفض والاستهجان؟ أليس من حق الشعوب على مسؤوليهم حمايتهم من الامراض؟

ولست في معرض الدفاع عن شخص معين، ولكن الحالة استوقفتني، لأنها تؤكد ان المجتمعات الانسانية لا زالت تقبع في أدنى العصور وربما العوالم الأخرى غير إنسانية قد سبقتنا!

لقد أورثنا الفكر بشكل عام والاجتماعي والسياسي خصوصًا وزرًا ثقيلا وهو أننا لم لا نؤمن الا بوجود مستوى واحد لمستويات الواقع المتعددة فارضين على الآخرين رؤآنا بالقوة،وأدى ذلك في ظلّ تلك التصورات إلى تسلل التعصب الى مواقفنا التي نعتبرها دائمًا على صواب وانها مطالب محقة وعادلة.

لعل التجلّي الواضح للمجتمعات الأدنى مطلع الألفية الثالثة، هو تكريس المفهوم "الشخصاني " للعلاقات على مسالك الحياة المجتمعية كافّة. ولعل من المفارقات ان إنسان قرن واحدٍ وعشرين يكرس الأقنعة، ويريد ان يفرض على الافراد الصورة التي يتصوّرها هو عن الواقع.

فهناك صور نمطيّة عن الافراد والجماعات مكرسّة في الذهنيات الامر الذي أوقعنا في عنصرية حادّة.

فالمرأة في وسائل الاعلام سواء كانت مقدمة برامج ام فنانة ام ممثلة، ينبغي أن تكون بمواصفات "جمالية " افتراضية معينة، ولو كانت بخلاف ذلك لمُنِعت من الظهور.. إنها عنصريّة بالغة. السياسي ينبغي ان يكون جادًّا ومتزنًا دائمًا ولو افترضنا انه اصيب بمرض وادخل المستشفى نجد انه يُمنع من التصوير ويُحجب عن الناس! رجل الدين ينبغي ان يكون دوما في أماكن العبادة ولو وجدناه في منتزه او مطعم لاستنكرنا ذلك، لماذا؟

إن الاعلام الذي نراه يوميًّا يكرس "الصور المنمّطة "، حيث تصبح الأقنعة أكثر أهمية من الوجوه نفسها، ومع وجود القناع يصبح لكل وجه عدة أقنعة، وكلّ قناع يكرس صورة شخص ويتغير القناع بتغير الحياة الاجتماعية.إنه النفاق! والكذب! وديبلوماسية الخداع!

إن عدم التوافق المستمر بين ما يحياه الفرد على مستواه الذاتي والمجتمع يؤدي الى إنتاج إنسان بشخصيات متعددة، الامر الذي يؤدي الى انحلال الكيان الذاتي الداخلي للفرد نفسه الذي لا يعود يتعرف الى نفسه الا من خلال الآخرين وهنا مكمن الخطر.

ضمن هذا الاطار الاجتماعي المقيت كيف تبدو الحياة؟

الناس اليوم تعيش بالتماهي والتفويض والتبعية، كل فرد يفوض حياته الى صورة نموذجية لافراد متخيلين، فالمرء يفوض حياته للزعيم، او لممثل مشهور يتماهى معه، او لراقصة غانية، او لرجل دين.... وهكذا انه لا يرى فردانيته وشخصيته الا من خلال الأغيار، هكذا حياة لا تُنتج أحرارًا أبدًا. إنها العبودية الجديدة سمَة الكائن الانساني في عصر الصورة في مجتمع استهلاكي!

1- الخبر نشرته البي بي سي – في 2 يناير الجاري، كما نشرته و كالات الانباء العالمية.

مصادر
ايلاف