في عدد جريدة «البعث»، ليوم 22 أيلول 1962، كتب ياسين الحافظ مقالاً يرد فيه على بيان صادر عن أكرم الحوراني، بتاريخ 21 آب 1962، يتّهم فيه الأخير الرئيس عبد الناصر بالتقاعس في قضية فلسطين و«التنازل» أمام إسرائيل من خلال موافقته بعد حرب 1956 على وجود قوات الطوارئ الدولية عند مدخل خليج العقبة والسماح المصري للسفن الإسرائيلية بالمرور عبر مضائق تيران، داعياً ــ أي الأستاذ الحوراني ــ إلى حرب لتصفية وجود إسرائيل، تبدأ من خلال سحب مصر لقوات الطوارئ الدولية وإغلاق خليج العقبة أمام السفن الإسرائيلية أو الآتية من مرفأ إيلات وإليه (نص المقال في كتاب: «حول قضايا الثورة العربية»، دار الحصاد، دمشق 1997، صـ 225-243). خلال عشر سنوات، بين عامي 1957 و1967، وجد عبد الناصر نفسه عرضة لهجومات تشكّك في موقفه القومي وإخلاصه لقضية فلسطين بسبب وجود قوات الطوارئ الدولية، الذي أتى ثمناً لانسحاب إسرائيل من سيناء وقطاع غزة بعد حرب السويس، لم تأت فقط من القوميين، في حزب البعث أو الذين كانوا فيه أمثال الأستاذ الحوراني حتى انفصاله عنه في أيار 1962، بل أتت حتى من اليمين، من عند حكم الانفصال السوري ومن الإعلام السعودي وصولاً إلى الملك حسين، لدرجة وجد معها الرئيس المصري نفسه معزولاً في القمة العربية الأولى عام 1964 بين المزايدات التي حاصرته من اليسار واليمين، والتي وصلت إلى حدود المواقف الأقرب إلى الهزلية، كما عندما رفض الرئيس السوري أمين الحافظ ــ وفقاً لرواية أحمد الشقيري في مذكراته ــ موضوع البحث في مشروع تحويل ينابيع نهر الأردن، مقترحاً خطة لتحرير فلسطين خلال أربع وعشرين ساعة، ما دفع الرئيس الجزائري أحمد بن بلّا هازئاً، الذي كان يرأس جلسة القمة، إلى اقتراح بتعليق الجلسة لثمان وأربعين ساعة ريثما تنفّذ تلك الخطة. وجدت إسرائيل الفرصة سانحة لشن الحرب، عندما قرر الرئيس عبد الناصر سحب قوات الطوارئ وإغلاق مضائق تيران في 19 أيار 1967، على خلفية تلك الضغوط والمزايدات التي استمرت عقداً كاملاً من الزمن، بعدما أبلغه السوفيات بمعلومات عن حشودات إسرائيلية على الجبهة السورية، ثبت ــ وفق ما نشرته الصحف الإسرائيلية في الذكرى الأربعين للحرب ــ بأنها فُبركت وسربت من إسرائيل إلى موسكو عبر عميل مزدوج، إيراني ــ سوفياتي، كان موجوداً في جهاز المخابرات الإيرانية (السافاك). واللافت للنظر في تلك الحرب، هو كيف بدأت إسرائيل فيها بضرب الرأس العربي، في مصر، ثم انتقلت بعده لالتهام الجسم، في الضفة الغربية والجولان، في خلق لوضع جديد بالمنطقة، كان تأسيساً لتدهور عربي في جميع الأوضاع بدأ منذ تلك اللحظة الفاصلة صباح يوم 5 حزيران 1967، ولم يتوقف مساره طوال الأربعة عقود اللاحقة. رغم النتائج الكارثية على العرب، التي خلّفتها حرب 1967، لم يتوقف ذلك الذهن السياسي العربي الحربجي عن الإنتاج، حيث عانى الرئيس عبد الناصر هجومات وحملات تشهير ومزايدات بسبب قبوله بالقرار 242 وبمبادرة روجرز في صيف1970، كما أن مفكرين عرباً، مثل إلياس مرقص وياسين الحافظ، كانا معزولين في الوسط السياسي العربي، في الثلاثة أعوام الفاصلة عن هزيمة 1967، وسط ركام من النزعات «الظفارية» و«الحربجية» التي لا تقبل بأقل من تحرير فلسطين كاملة وفوراً. منذ نهاية عام1970، بدأت تلك النزعات الحربجية بالاندثار والخفوت تحت ثقل التدهور العربي المتسارع، ولم تظهر إلا في لحظات متفردة، مثل تلك التي لوَّح فيها صدام حسين في شهر نيسان1990 بالكيماوي المزدوج الذي «سيحرق إسرائيل» ولمّح إلى قدرته النووية، حتى انتهى ذلك كله بعد أربعة أشهر بوقوعه في فخ غزوه للكويت، وما ولّده هذا من لحظة جديدة سرَّعت في التدهور العربي، كان أحد ذراها احتلال 2003 الأميركي للعراق. الآن، مجدداً، تستيقظ هذه النزعة الحربجية العربية على أثر حرب 12 تموز 2006: يلاحظ وجود هذه النزعة، في الوقت الراهن، عند الإسلاميين، وبقايا القوميين، وعند بعض اليساريين الماركسيين الذين ما زالوا محافظين على ماركسيتهم، حيث يرى هؤلاء أن إسرائيل قد ظهرت، من خلال تلك الحرب، كـ«نمر من ورق»، وأن عصر انتصارات إسرائيل قد انتهى، وهم لا يضربون مثلاً، فقط بأدائها في تلك الحرب، التي اعترفت لجنة فينوغراد بإخفاقها فيها لأنها لم تستطع تحقيق الأهداف المتوخاة إسرائيلياً منها، بل يبعدون إلى مسافات أكبر، عندما يرون أن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في عام 2005 قد تمَّ «تحت وقع ضربات المقاومة»، من دون أن يلامسوا التفكير الإسرائيلي من ذلك وهو التفرغ لالتهام معظم الضفة الغربية بعد إعطاء الفلسطينيين «هدية مسمومة»، وفقاً لتعبير شارون آنذاك وقبله رابين الذي اقترح منذ الثمانينيات ذلك، لمّا كان وزيراً للدفاع، متمثلة في إدارة الوضع بقطاع غزة، وما جرَّه هذا من تقاتل فلسطيني ــ فلسطيني رأينا نتائجه في صيف 2007. في هذه الأيام، تقترب الذكرى الستون لضياع فلسطين منذ 15 أيار 1948: من يراقب مجرى الصراع مع إسرائيل، وقبله مع اليهود في فلسطين قبل تأسيس تلك الدولة، يرى كيف كانت تجتمع، في الذهن الصهيوني، رؤية متكاملة لعلاقة الحرب بالسياسة، سواء من حيث وجود رؤية دقيقة في ذهن السياسي المعني للعلاقة بينهما، مثل بن غوريون، الذي كان يعرف متى يحارب، ومتى يقف وأين، ويدرك التمرحل وطرق الوصول للهدف، حتى لتراه في لحظة سياسية شديد التصلب وفي لحظة أخرى مرناً، عبر إدراكه أين التناقض الرئيسي، حيث يطرح وقتها «الثانوي»، أو عندما لا يتورع سياسي ــ مثل بن غوريون ــ عن استخدام أساليب وطرق المتصلّبين الصهاينة الآخرين من أجل الوصول إلى الهدف، كما استخدم بن غوريون إرهاب منظمات «الإرغون» و«شترن» ضدّ البريطانيين بين عامي1942 و1948 في الوقت الذي كان يقدّم فيه هو القفازات الحريرية إلى لندن، لكنه بعد 15 أيار 1948 استخدم العنف والتهديد به لإجبار المنظمتين على حلِّ نفسيهما والانخراط في الجيش الإسرائيلي. لا نجد عند «الحربجيين» العرب ذلك، ولا عند «السلاميّين» الذين أغلبهم هم على طراز السادات: أليست هاتان النزعتان، اللتان تتوزع السياسة العربية بينهما منذ عام 1948، من علامات التدهور العربي المعاصر؟