هو ليس احتفاء أو استرجاعا للتاريخ بل مناسبة لقراءة بعض التشكيلات الحديثة، فتأسيس حزب لم يكن حالة تعبر عن واقع سياسي فقط، بل أيضا رؤية اجتماعية حكمت المجتمع السوري في النصف الأول من القرن العشرين، فالأحزاب التاريخية السورية ظهرت في تلك الفترة واستمرت حتى اليوم، وربما بنفس الفكر أو التكوين والتنظيم، بينما تحول المجتمع أو حتى تراكبت مصالحه بشكل معقد، حتى أصبح الزمن الحالي وكأنه "معزول" عن الحدث الحزبي...

هذا الواقع ربما لا يبتعد كثيرا عن "الأحزاب" في العالم التي ظهرت بمعظمها في وقت مبكر من القرن العشرين، والعديد منها في أوروبا في القرن التاسع عشر، ولكن الواضح هو أن "التأثيرات الحزبية" داخل مصالح المجتمع لم تتبدل في العالم، بينما حكمتها علاقة مختلفة في سورية أو حتى في أي دولة من العالم العربي.

ولا شك أن تأسيس حزب البعث كان يحمل معه ظرفه التاريخي، وهو مختلف بشكل كبير عما هو عليه اليوم، وربما علينا أن نحدد ثلاث أمور في نوعية هذا الظرف اليوم:

- طبيعة الدولة التي أصبحت بواقعه الخاص ربما أقوى من "الإيديولوجية" التي تحملها الأحزاب، وهو أمر ينسحب على باقي الأحزاب وليس فقط حزب البعث، فباقي الأحزاب سواء ضمن الجبهة الوطنية أو خارجها تعمل من أساس الواقع "القطري"، وهدفها الأساسي هو "مؤسسة الدولة"، ونادرا ما تتحول باتجاه المجتمع.

- نوعية الصراع على الدولة الذي لم يعد مرتبط فقط بنوعية الحرب مع العدو الإسرائيلي، فعلى امتداد السنوات الثماني السابقة كان هناك إستراتيجية دولية هدفها "تفكيك" الدول في الشرق الأوسط، وإعادة تكوينها على مساحة جديدة من الجغرافية السياسة، وهذا الأمر حدث في العراق ولبنان وفلسطين أيضا. فالأحزاب، ومنها حزب البعث، كان صراعها الأساسي هو في إيجاد التحول الاجتماعي، بينما اليوم تجتاز مرحلة من البحث عن تجذر "مفهوم الدولة" في الثقافة الاجتماعية.

- أشكال التحول الفكري الممكنة داخل "الأحزاب" وعلى الأخص تلك الموجودة في "السلطة السياسية"، فعندما نتحدث اليوم عن اقتصاد السوق الاجتماعي فربما علينا أن نستعيد "التحول الاشتراكي" الذي يشكل قاسما مشتركا لمعظم الأحزاب الموجودة، حيث لا يصح "تجاوز" هذا المصطلح لصالح إجراءات اقتصادية او سياسية، لأنه مبني على نظرية فكرية كاملة.

المسألة اليوم هي في مفهوم الحزب السياسي داخل المجتمع، لأن ظرفه التاريخي مختلفا نوعيا عن مراحل التأسيس الأولى، أو حتى عن الأهداف المرحلية أو العامة التي طرحت، وهي مقدمة لكل الأحزاب ولا تقتصر على حزب البعث في ذكرى تأسيسه.