الكاتب : ربى الحصري

أعترف أنني لن استطيع الجواب على سؤال أراد مني "رئيس التحرير" الإجابة عليه، فهو يريد مني كدارسة في علم الاجتماع أن أحلل ما يجري في العالم العربي، لكنني بالفعل لا استطيع سوى الحديث عن صورة أرصدها من بعيد، فأسوء ما في الغربة أنك لا تستطيع معرفة نوعية الأجيال التي تظهر، أو فيما تفكر، و "إطلاق" مصطلح (موجة) يوحي بأن هناك آليات وديناميكيات داخل المجتمع نستطيع رصدها حاليا عبر الحدث، لكنني أحمل طموحا أكبر لما يجري، لأنني أتخيل أن تكوين الهوية هو جوهر ما يحدث.

أنا أجهل كيف يفكر الشباب وما هو رأيهم بانعدام الخيارات التي وقعوا بها بعد أن طغت حملة تكريس "ثقافة الإرهاب" عليهم، فكان عليم إما التعامل مع الواقع الذي وضعهم في زاوية القبول بكل ما يجري، أو الانصياع لتيارات الإرهاب التي تفنن الجميع في رسمها ربما خارج أي سياق لمفهوم الإرهاب أو حتى نوعية تطوره وظهوره، علما أنه حتى اللحظة لا يبدو أنه ينتمي لجغرافية واضحة ولا يملك شخصية باستثناء ما يتم تقديمه من خلال رسائل متلفزة مجهولة المصدر.

لكن الحديث عن تكوين هوية يملك مؤشرات على الأقل في طريقة تعبير هذه الأجيال عن نفسها، فهي من البداية حررت نفسها من مسألة "الإرهاب" واختارت في تونس ومصر العصيان المدني، وهو خيار ظهر سابقا في فلسطين، أما في ليبيا فهناك حالة رفضت فيها "الحالة السياسية" تقبل "العصيان" فحاولت ممارسة ذروة العنف لإنهائه، وفي مؤشر آخر فإن ما قدمه سيف الإسلام القذافي مؤشرا إضافيا على أن محاولة التشويش على الهوية هو غاية، فهو لعب على التزاع القبلي واستخدم أيضا النزعة المعاكسة لمحيط ليبيا الجغرافي، مهددا الليبيين بالعرب من المصريين والتونسيين على وجه التحديد، وهو يظهر أن "الخوف من الهوية" كان حالة حاضرة، ثم انتقل باتجاه الإمارات الإسلامية حسب تعبيره ليعود إلى الخيارات التقليدية: الانصياع أو التطرف!! ما يريد رئيس تحرير سورية الغد تسميته (موجة) هو حالة تحتاج لدراسة من هم على تماس مع الأجيال الجديدة، ليس لتوجيههم أو وضع "إيديولوجية" بل لقراءة ما يجري لاستشراف المستقبل، وربما أيضا لإرضاء فضول خاص: فهل هذه الموجة ستكون تلك الهوية التي يحاول البعض ضربها حتى اللحظة؟ هذا ما اتمناه.