الكاتب : طه عبد الواحد

أطلق جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأميركي، مجموعة من التصريحات في ختام محادثات أجراها مع الرئيس الروسي خلال زيارة الأول إلى موسكو يومي التاسع والعاشر من آذار. ومجمل هذه التصريحات تتمحور حول واقع العلاقات الروسية-الأميركية خلال عامين من "إعادة تشغيل" العلاقات بينهما، الذي كان بايدن أول من أعلنه خلال مؤتمر ميونيخ للأمن منذ عامين. فما الذي قاله بايدن في تصريحاته هذه، وما مدى دقة كلامه؟ وهل هناك تقدم في العلاقات الروسية-الأميركية يحقق مصالح الطرفين بالتساوي أم أن ما يجري تحسن للعلاقات بما يخدم مصالح واشنطن دون أخذ المصالح الروسية بالحسبان؟

للتعليق على تصريحات بايدن وتوضيح بعض الحقائق عن (إعادة تشغيل) العلاقات الروسية الأميركية لا بد قبل كل شيء من وقفة سريعة عند هذه التصريحات التي نقلتها وكالة الأنباء الروسية "نوفوستي" وجاء فيها: "اعتبر جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأميركي، أن موسكو وواشنطن تمكنتا، رغم توقعات المشككين، من تحقيق تقدم في "إعادة تشغيل" العلاقات الثنائية.وأضاف "كان هناك مشككون يؤكدون أنه لن يتحقق أي تقدم في أول سنتين (بعد تسلم أوباما منصب الرئاسة). وقد برهنا على أنهم غير صائبين، إذ تم إحراز التقدم، وليس فقط في مجال الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، بل وفي مجالات أخرى مثل عملية التسوية الكورية الشمالية وإيران وأفغانستان وغير ذلك من المسارات الهامة". وأكد بايدن أنه كان ولا يزال "يكن الاحترام لروسيا كدولة عظمى". من جانبه وصف الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف نتائج تطور العلاقات الأمريكية الروسية في العام الماضي بـ "الناجحة" وشكر نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن على مساهمته في هذا النجاح. وأعاد الرئيس الروسي إلى الأذهان الجهود التي بذلها هو ونظيره الأمريكي باراك أوباما، شاكرا بايدن أيضا على مساهمته وجهوده على هذا الصعيد".

في المجال الاقتصادي نقلت "نوفوستي" عن بايدن قوله " بأنه يدعم إلغاء تعديل (جاكسون - فينيك) وانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية. وقد أعرب الرئيس الروسي عن أمله في إلغاء تعديل "جاكسون - فينيك" مع حلول الجولة المقبلة من المحادثات بين البلدين. وكان عضو الكونغرس الأمريكي شارلز فينيك قد قام في عام 1974 مع السيناتور جاكسون بإعداد تعديل على التشريعات التجارية الأمريكية تضمن، بعد تبنيه، فرض قيود على التبادل التجاري مع الاتحاد السوفيتي بسبب وجود معوقات فيه وقتذاك أمام هجرة المواطنين (اليهود الروس على وجه التحديد- الكاتب) إلى الولايات المتحدة. ولا يزال التعديل يسري مفعوله بحق روسيا حتى الآن".

وأشار مصدر في الكرملين لوكالة "نوفوستي" إلى أن بايدن بذل جهدا لتمرير معاهدة "ستارت" الأمريكية الروسية الجديدة عبر الكونغرس الأمريكي وأضاف المصدر أن الرئيس الأمريكي باراك أباما، انطلاقا من خبرة بايدن، يراهن على نجاحه في مسألة انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية وبشكل خاص فيما يتعلق بإلغاء تعديل "جاكسون - فينيك". وقع الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف اليوم قانون المصادقة على "اتفاقية ترانزيت العتاد العسكري الأمريكي إلى أفغانستان عبر أراضي روسيا" التي تم إبرامها مع الولايات المتحدة الأميركية في السادس من يوليو عام 2009، وفق ما ذكرته الدائرة الصحفية للكرملين.

وقفة أولى عند حديث بايدن حول تحقيق تقدم في (إعادة تشغيل العلاقات الروسية-الأميركية) رغم المشككين- حسب بايدن. ما يجب أن يعلمه نائب الرئيس الأميركي ومعه كل من يؤكد على تقدم في العلاقات بين موسكو وواشنطن أن التشكيك لا يأتي لأن أحداً ما يرغب بذلك بل لأن الأقوال لا تتوافق مع الواقع. كي تتضح الصورة نذكر بأن الملفات الخلافية الرئيسية بين الولايات المتحدة وروسيا ما زالت عالقة دون أي تقدم فعلي، وهي:

الدرع الصاروخية، توسع الناتو شرقاً وعرقلة انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية. وبالنظر إلى بقاء هذه الملفات على حالها دون حل، جزئي أو كلي، لها لا يمكن وصف تطور العلاقات الأميركية -الروسية بأنه ناجح كما قال ميدفيديف. ولا يمكن اعتبار توقيع اتفاقية ستارت الجديدة على أنه مؤشر نجاح لأن الاتفاقية كانت حاجة روسية- أميركية ملحة، وكذلك الأمر بالنسبة للعمل على تخفيف حدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية. أما إيران فلا توافق حولها حتى الآن، بل إن واشنطن خدعت موسكو من جديد وبعد الحصول على دعمها لقرار العقوبات ضد إيران، سارعت إلى تبني عقوبات أحادية متجاهلة كلياً وعودها لروسيا بعدم تبني عقوبات أحادية بعد العقوبات الدولية.

وقفة ثانية عند التعاون في الحرب الأفغانية وفي المجال الاقتصادي. بالنسبة لأفغانستان فإن روسيا قد فتح أجوائها لنقل العتاد إلى أفغانستان لأنها تكسب المال من ذلك، وتبقي الأميركيين في المستنقع الأفغاني الذي قد يهدد الوضع فيها أمن روسيا في حال خروج القوات الغربية من هناك. لكن وهنا أيضاً لا تولي واشنطن أي اعتبارات للهواجس الروسية، حيث طالبت موسكو الولايات المتحدة وقوات الحلفاء في أفغانستان بالعمل على مواجهة تجارة المخدرات التي تجتاح روسيا من أفغانستان عبر آسيا الوسطى، إلا أن القوات الغربية لم تحرك ساكناً في هذا الشأن، بل وعبرت عن خشيتها من أن يؤدي اقتلاعها لمزارع المخدرات إلى تعميق الأزمة المعيشية في أفغانستان. أما في المجال لاقتصادي فقد وعدت واشنطن موسكو أكثر من مرة ومنذ عهد بوش الأب بالنظر في إلغاء تعديل "جاكسون-فينيك" واقتصر الأمر على الوعود. هذا في الوقت الذي يعمل فيه خبراء ورجال أعمال أميركيون على بناء مدينة التقنيات التي أعلن عنها ميدفيديف خلال زيارته إلى الولايات المتحدة. زد على ذلك أن بايدن شهد خلال زيارته الحالية إلى روسيا توقيع اتفاقية شراء شركة الطيران الروسية ثماني طائرات بوينغ بمليارات الدولارات، في الوقت الذي يعاني فيه مجمع صناعات الطائرات الروسية من أزمة بسبب عدم وجود تمويل حكومي كاف على شكل طلبيات تزويد بطائرات نقل جوي، مع أن هذا المجمع يقوم بتصنيع طائرات تفوق البوينغ قدرات وكفاءة. فهل شركة بوينغ أحق بهذه المليارات من مجمع الصناعات الجوية الروسي؟

خلاصة القول "المشككون" الذين يتحدث عنهم بايدن لم يأتوا من عدم، فهناك ما يدفع إلى الشك والريب في كل ما يٌُقال من كلام معسول، صادر عن شخصيات روسية أم أميركية، حول "تطور،تقدم، نجاح" في العلاقات الأميركية-الروسية، لأنه لا يمكن الحديث عن نجاح في مجال التسلح الإستراتيجي إذا لم تقبل واشنطن وحلفائها بشراكة كاملة مع روسيا في موضوع الدرع الصاروخية أو إن لم تتراجع عنه أساساً، وإذا لم توقف واشنطن خطط توسع الناتو شرقاً (ما زالت الإدارة الأميركية الحالية تعمل لضم جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف لكن بأسلوب ماكر يختلف عن أسلوب بوش)، وإذ أصرت على رفض الشراكة الندية مع روسيا.

وفي الحديث عن النتائج لقد تمكنت واشنطن من تمرير قرار العقوبات ضد إيران دون أن تفي بوعودها لروسيا، وخدع أوباما روسيا بشأن الدرع الصاروخية حيث بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من هذا المشروع، وما زالت روسيا تأمل، لسبب ما، بأن يتقبلها الغرب شريكة في الدرع وفي كل شيء، لكن لا يبدو أن الغرب مستعد لمثل هذه الخطوة ولن يكون مستعداً لها طالما بقيت العلاقة عبر الأطلسية من خلال حلف الناتو تدير دفة سياسته نحو روسيا. وعليه فإن ما يقوله المشككون أقرب إلى الواقع، أما كلام بايدن وميدفيديف عن "تطور ونجاح" في العلاقات الثنائية فهو أقرب إلى الوهم، ولكل أسبابه في ما يتوهم.