الكاتب : ربى الحصري

مازلت أتلمس واقع إعلامي غريب، فالاهتمام بالساحة السورية له ما يبرره لكنه في نفس الوقت يكتسب تركيزا خارج السقف الحقيقي لمسألة "التغطية" أو التعامل مع الحدث، فهناك تجاوز للخط الإعلامي التقليدي أو ربما سباق ما بين "التكهنات" وعملية مواكبة الحدث، وهو ما يجعلني أتصل يوميا ليس للاطمئنان على أوضاع البلد بل لمحاولة خلق مقاربة على الأقل، كي أعرف كيف يمكن أن تسير الأمور.

بالتأكيد لا يمكن لعملية الرصد ان تتم عبر الهاتف، لكن في المقابل فإن الملاحظات الأولية من المتابعة الإعلامية تضعني أمام مفارقتين:

الأولى أن مسألة دمج الصورة السورية مع اليمنية وربما المصرية هي ليست عملا واقعيا، رغم ان الإعلام يمارسها ضمن رسم صورة نمطية تحسم المعركة بشكل كامل لصالح مسألة "الثورات العربية"، ورغم ان الجهود المبذولة على صعيد الصورة لم تفلح كثيرا في رسم عملية الدمج، لكن الإعلام حسم أمره وضم سورية إلى نفس قائمة الثورات.

الثاني هي طبيعة الصوت المعارض الذي يرسم أفق المستقبل وهو في النموذج السوري موجود في عواصم العالم، ورغم أن المعارضين يعتبرون أن الداخل غير قادر على التعبير عن نفسه بسبب القمع، لكن السؤال يبدو في ان الداخل السوري الذي فرض الاحتجاجات وربما خلق انعطافة في الحياة السياسية والاجتماعية مازال مسلوب الرأي إعلاميا بالنسبة للمعارضين في الخارج، فهل الشعب السوري لا يملك ناطقين عن ثورته؟ في الحقيقة ما لا أفهمه هنا هو كيف يكون الشارع السوري قادرا على الاحتجاج بشكل سريع بعد كلمة الرئيس أمام مجلس الوزراء، ثم لا يكون قادرا على تقديم رأي سياسيفيتم استبداله بـ هيثم المناع أو بسام جعاره أو غيرهم، بينما تكون الفضائيات قادرة على استحضار شهود العيان وربما الأسماء الكلاسيكية مثل هيثم المالح لكنها لا تجد صوتا آخر..

بالتأكيد سمعنا بعض الأصوات الجديدة لكنها لم تكن ناطقة باسم الاحتجاجات كما فعل هيثم المناع بالأمس ووسم كل الاجتماع الذي جرى بين الرئيس بشار الأسد ومجلس الوزراء بـ"جرزة الفجل"!!! واستخدام هذا المصطلح ليس فقط "تصعيدا" فهو يشبه الرسالة النهائية بالنسبة للمعارضة في الخارج بأن هناك "قطيعة" كاملة مع السلطة السياسية للدولة، أما في الداخل فهناك تشابك لا يحله إلا سوريون بمعزل عن الأصوات الخارجية، لكن على ما يبدو أن هذا الأمر صعب نتيجة الضغط الإعلامي، فالصراع يُدار حتى اللحظة من وراء "الميكرفونات" واعتقد ان هناك شريحة لا بأس بها متفاعلة مع هذه الطريقة، فبعد شهر كامل كان من المفترض أن يتبلور تيار داخلي مختلف وليس مجرد أسماء، وأن يبدو خط الاحتجاجات واضح وليس هدف منه فقط الصراع مع تصريحات الحكومة... هذا الأمر لم يظهر وهو ما يدفعني للقلق، لأنه يوحي وبغض النظر عن الروايات التي تم تداولها أن الحراك الداخلي لا يملك عمقا يشبه أي عمق آخر للتحركات الديمقراطية التي ظهرت في العالم، وأن تحطيم صورة التكوين السياسي السوري القائم حاليا هي غاية بحد ذاتها.

من يعيش في أوروبا يعرف تماما أن مسألة وجود المعارضة السورية فيها هو ليس خيارا حرا كما يعتقد البعض، فهم مضطرون لشبكة علاقات عامة مع عدد من الدوائر شاؤوا أم أبوا.. والمعارضة في الخارج تملك حرية مخاطبة الشعب السوري لكن السؤال هل تملك الاحتكاك معه؟ وهل تكفي شبكة التواصل الاجتماعي لتفي بهذا الغرض؟ وأخيرا فهي على ما يبدو مضطرة أو مدفوعة لاستلاب صوت الشارع السوري اليوم لأنه الطريق الوحيد كي تقوم بوظائفها، لذلك فإنها تعتقد ان الثورات أو الإصلاحات تٌدار عبر البث الحي ولنتذكر أن مثل هذه الطريقة حدثت سابقا، في ليبيا مثلا... لكن في سورية تملك خطورة واضحة لأنها على ما يبدو تملك غايات محددة ربما لا علاقة لها بالإصلاح ولا بالتغيير.