الكاتب : محمود عنبر

بعيداً عن الجدل الدائر حالياً حول كيفية الموازنة بين السرعة والتسرع في مختلف عمليات التطوير التي تشهدها سورية، نعتقد أن قانون الأحزاب قد يؤدي لتأثيرات عميقة في المجتمع السوري، ولهذا نعتقد بضرورة التأني في هذا الموضوع الهام، وإن كنا نعتقد أن تأثير إصدار القانون على انتخابات العام الحالي ( أو مطلع العام المقبل على أبعد تقدير)، قد يكون محدوداً، فإن تأثيره على الحياة السياسية وعلى انتخابات عام 2015 سيكون كبيراً، وبالتالي لابد من التوقف قليلاً قبل الخوض في التفاصيل التقنية للقانون، كما نشرت على موقع التشاركية، والعودة لمناقشة السياسات التي يفترض أن يعكسها القانون. ماهو الواقع السياسي في سورية؟ وكيف نريده أن يتحول؟

نعتقد أن الإجابة عن السؤال السابق هي مايحدد ملامح القانون الذي يجب تطويره، وبالرغم من أن سورية نظرياً قد مرت بعقود من قيادة حزب وحيد للدولة والمجتمع، وما يعنيه ذلك من إضعاف لدور الأحزاب الأخرى، إلا أننا نعتقد أن هذا قد أدى لعزوف عن الحياة السياسية من قبل شرائح مجتمعية واسعة (من جهة)، ولتشكل مجموعة من الأحزاب التي لم يتم تأطيرها بقانون، ومنها مااكتسب الطابع المحلي، وأطلق على نفسه تسمية حزب، ومنها ما استخدم مؤسسات المجتمع المدني كغطاء لنشاطات حزبية، ونعتقد أن أهم مايجب أن يفعله قانون الأحزاب هو إلغاء الحاجة لمثل هذه الأساليب، وبالتالي يجب أن يكون القانون قادراً على استيعاب هذه الشرائح. بالنظر إلى الشرط المتعلق بتأسيس الأحزاب فقد ورد مايلي:

" عند تقديم الطلب يجب أن يكون الحد الأدنى لعدد الأعضاء في الحزب عند التأسيس لا يقل عن (2000) عضو شريطة أن يكونوا من المسجلين في سجلات الأحول المدنية لنصف محافظات الجمهورية العربية السورية على الأقل، على أن لا تقل نسبة الأعضاء عند التأسيس في كل محافظة عن 5% من مجموع الأعضاء، وعلى أن تعكس في بنيتها النسيج الوطني للمجتمع السوري."

رغم أننا من حيث المبدأ نشجع على إطلاق أحزاب تغطي كل النسيج السوري، إلا أن طريقة ترجمة هذه الرغبة في الفقرة السابقة لم تكن موفقة، ونعتقد أن هذا البند يعني أن التسجيل سيكون لحزب البعث وبعض أحزاب الجبهة، وحزب يشكله تجمع إعلان دمشق، وحزب تشكله التنسيقيات، وربما بعض الأحزاب التي يتم تشكيلها في المدن الكبرى ( كونها تحتوي العديدين من المقيمين ولكن سجلاتهم المدنية تتبع لمحافظة أخرى)، وتكمن الخطورة في أن الأحزاب ستتحول مرة أخرى إلى ناد مغلق، ولن يكون هناك حافز للسوريين للانخراط في الحياة الحزبية، وستبقى ظاهرة الأحزاب "غير الشرعية" ، التي لاتتمكن من تحقيق الشرط القاسي المبين سابقاً. حل المشكلة السابقة ممكن عبر التفكير في مرحلة انتقالية مدتها 8 سنوات ، تخفض فيها عدد المحافظات التي يجب تغطيتها إلى أربع محافظات، مع الحفاظ على عدد المسجلين الإجمالي، وذلك لمنح الفرصة للأحزاب بأن تبدا صغيرة،وتتاح لها الفرصة لممارسة العمل السياسي، ومن ثم نتوقع حدوث اندماجات في الأحزاب بما يؤدي لتمكنها من لعب دور واضح في الانتخابات، وبهذا يتحول العمل الحزبي من مجرد نشاط تنظيمي إلى مدرسة سياسية تنمي الفكر السياسي في المجتمع.

سياسة الإعانات:

ورد في مسودة القانون مايلي:

"تقترح اللجنة سنوياً على مجلس الوزراء مقدار المبلغ الإجمالي للإعانة التي تقدمها الدولة للأحزاب طبقاً لأحكام هذا القانون ويدرج هذا المبلغ بعد إقراره في مشروع الموازنة العامة للدولة يتم توزيع المبلغ الإجمالي للإعانة المشار إليها في المادة السابقة بين الأحزاب على النحو الآتي: أ‌- 40% توزع على الأحزاب وفقاً لنسب تمثيلهم في مجلس الشعب. ب‌- 60% على الأحزاب وفقاً لعدد الأصوات التي حاز عليها مرشحوه في الانتخابات التشريعية. ولا يمنح الحزب نصيباً من هذه النسبة إذا كان مجموع عدد الأصوات التي حاز عليها مرشحوه تقل عن 3% من مجموع الأصوات. لا يجوز في جميع الأحوال أن يتجاوز مقدار الإعانة التي تقدمها الدولة وفقاً لأحكام المواد السابقة إجمالي الاشتراكات السنوية لأعضاء الحزب."

من الواضح أن البند السابق منحاز للأحزاب الكبرى، وفي هذا ترسيخ للخلل السابق، حيث يتحول العمل الحزبي إلى ناد مغلق مرة أخرى، ونعتقد أن هذا البند يجب أن يعاد النظر به، بحيث يصبح هناك تثقيل لعدد الأصوات في كل محافظة على سبيل المثال، وليس مجموع عدد الأصوات الإجمالي، وذلك لتحفيز المحافظات قليلة العدد ( عدد المسجلين في السجلات المدنية) للمشاركة في الاقتراع، كونها تدرك أن صوتها سيكون له تأثير متعدد المستويات.

إدارة شؤون الأحزاب:

ورد في مسودة القانون مايلي:

"تشكل لجنة شؤون الأحزاب على النحو التالي : 1. وزير الداخلية رئيساً 2. نائب رئيس محكمة النقض عضواً 3. ثلاثة من الشخصيات العامة المستقلة يسميهم رئيس الجمهورية لمدة ثلاث سنوات أعضاء ب‌- تبت اللجنة بطلبات تأسيس الأحزاب أو بتعديل أنظمتها الداخلية فضلاً عن الاختصاصات الأخرى الواردة بأحكام هذا القانون."

ونعتقد أنه من الأهمية بمكان أن لاتناط مهام إدارة شؤون الأحزاب بلجنة، ولكن بمكتب يحوي كوادر متفرغة للقيام بهذا العمل، وربما تشرف اللجنة على أعمال المكتب، فكما يبدو من مختلف المهام المناطة باللجنة، فهي لن تكون قادرة على القيام بعملها طالما أنها مؤلفة من خمسة اشخاص غير مفرغين. وختاماً يبدو من مسوة القانون أن الفترة الانتقالية لتأسيس الأحزاب قبل إجرءا الانتخابات تبلغ حوالي الستة أشهر إلى سنة، وهي فترة مقبولة نسبياً، ولكنها لن تكون مفيدة في حال حولنا الأحزاب إلى ناد مغلق، وعلينا تذكر أن مجلس الشعب القادم هو من سيقرر آليات العمل السياسي في المرحلة المقبلة، وعلينا التأكد من أننا لن نتحول من نظام الحزب الواحد إلى نظام الحزبين.