بلير وأوروبا: هل ما في الشبكة أكبر من توقعات "الصياد"؟! كيف سيتصرف الرئيس شيراك للبقاء في الرئاسة حتى نهاية فترة ولايته الحالية؟ بل كيف سيتصرف توني بلير بعد أن خلا له جو الزعامة الأوروبية؟ وأي فجر جديد في إيران بعد هذه الانتخابات؟ أسئلة ثلاثة نبحث لها عن إجابات في جولة سريعة في صحافة باريس.

المأزق الوطني

في مجلة لوبوان اختار رئيس التحرير كلود أمبرت هذه العبارة عنواناً لمقال تحليلي للحالة التي تجد فرنسا نفسها فيها الآن، أو بكلمة أدق يجد الرئيس شيراك نفسه في خضمها. ففرنسا التي كانت حتى عهد قريب رافعة للعمل الأوروبي أصبحت اليوم سبباً في أزمة أوروبية حقيقية. وجاك شيراك تغاضى كثيراً عن أعراض "المرض الفرنسي"، حتى استفحل ووصل إلى هذه الدرجة من الخطورة. هذا مع أن هذه الأعراض ظلت متواترة منذ 1997 وحتى رئاسيات 2002، وأكدتها انتخابات 2004 المحلية. وما يراهن عليه شيراك اليوم، على المدى القريب على الأقل، هو أن يتمكن ابناه السياسيان دوفيلبان وساركوزي من امتصاص النقمة، في انتظار أن تمضي أكثرية الفرنسيين خلال شهري يوليو وأغسطس في الإجازة الصيفية، وعند العودة يكون كل شيء قد تم نسيانه، على أن تستمر لعبة المراوغة هذه مع ما تقوله الوقائع والحقائق حتى ينهي شيراك سنواته الخمس. ويتساءل الكاتب، لماذا لا يستقيل هذا الرجل الآن؟ وفي إجابته بعد أن يستبعد تماماً هذا الاحتمال، يذهب إلى أن شيراك أمامه أحد خيارين، لا ثالث لهما، إما أن يلجأ إلى ابتداع حلول خلاقة لمشكلات الاقتصاد الفرنسي، وبالتالي يؤسس نوعاً من "النموذج الاجتماعي" أو حتى "الاشتراكي"، ويخرج بذلك على حالة “الاستثناء الفرنسي” من مثل هذا الاتجاه القائم على ما يشبه "دولة العناية الإلهية"، أو أن يلجأ - وأرجو ألا يضحك أحد، يقول- إلى نوع آخر هو النموذج الدانمركي. لكن المشكلة هي أن النموذج الاقتصادي لتلك الدولة الاسكندنافية الصغيرة صعب التقليد، بالنظر إلى أن شعبها منتج وقليل ومنضوٍ كله تقريباً في نقابة شبه موحدة بنسبة 87% في مقابل حالة فرنسا التي لا ينتسب إلى نقاباتها الكثيرة سوى 8% من العاملين. إذن من تكون حالته بهذه الفوضوية في الشغل والإنتاج، ومن يكون كسولا بهذا الشكل ويضرب رقما قياسياً عالمياً في الكسل بـ35 ساعة عمل فقط للأسبوع، لا يستطيع تقليد الدانمارك.

بلير وأوروبا

جان ميشيل دوميتز كتب مقالا في مجلة الأكسبريس تعرض فيه لآفاق الرئاسة البريطانية للاتحاد الأوروبي التي تبدأ مع الأول من يوليو المقبل. ويرى الكاتب أن الصدف هي وحدها التي وضعت بين يدي توني بلير هذه الـ“أوروبا” المتقلقلة بشكل لا سابق له، والتي لا يعرف أحد حتى الآن على أي جانبيها ستستقر، في النهاية. ومع أن بلير الآن في أحسن حالات أدائه في المملكة المتحدة حيث معدلات النمو أعلى بكثير مما هو سائد في منطقة اليورو، والبطالة متقلصة، والفقر يتراجع، إلا أن مهمة إعادة تعويم القارة الأوروبية ربما تفوق طاقته، في الواقع. وحتى إذا كان زعيم حزب العمال انتظر طويلا مثل هذه اللحظة لكي يستلم زعامة أوروبا في لحظة يتخبط فيها منافسوه في مشاكلهم، خاصة بعد استفحال أزمة شرودر الانتخابية، وتردي شعبية شيراك وبرلسكوني داخلياً، إلا أن ما تخبئه الشبكة يبدو أنه أكبر بكثير مما حلم به الصياد. ولذا فالأرجح هو أن يعمل بلير على الاستفادة من تجربته التنموية – والسياسية أيضاً- في الجهة الأخرى من بحر المانش، لكي يقنع الشعوب الأوروبية بالفضائل الاجتماعية والاقتصادية لـ“طريقه الثالث”، إن كان لا زال أحد يتذكره.

رسالة من ابن الشاه بهلوي

صحيفة لوموند توقفت في تغطيتها للجولة الثانية من الانتخابات الإيرانية أمام ظاهرة محمود أحمد نجاد الذي فاز في الانتخابات، حيث تمكن هذا الرجل من التأهل أصلاً لهذا الدور من خلال تقديم نفسه كرجل بسيط، متدين، وصاحب خطاب شعبوي قادر على مغازلة مشاعر الكثير من بسطاء الإيرانيين وجعلهم يحلمون بنيل جزء، ولو بسيط، من ثروة البلاد، وهذا ما جعل فئات واسعة من عامة الإيرانيين تراهن عليه باعتباره أملها في التغيير، مما جعل الصورة التي حاول خصومه تقديمها عنه تتلاشى، وهي صورة تتراوح بين التخويف منه باعتباره قائداً سابقاً للقوات الثورية الخاصة، وبين التوجس من نواياه الحقيقية المتطرفة بحكم كونه متعلقاً بمبادئ الثورة العنيفة الأولى. أما في صحيفة ليبراسيون فقد كتب جان بيير بيران مقالا تحدث فيه عن دلالات هذه الانتخابات، سواء فيما يتعلق بإعادة ترتيب البيت الإيراني الداخلي أم فيما يخص علاقات إيران مع الغرب. ولاحظ الكاتب (من طهران) أن مشاركة الناخبين في الدور الثاني كانت أكبر بكثير، وذلك نظراً للاستقطاب الشديد الذي أدت اليه نتيجة الدور الأول من الانتخابات. بدوره كتب رضا بهلوي، وهو أكبر أبناء شاه إيران الراحل، رسالة مفتوحة للفرنسيين بمناسبة انتخابات بلاده، نشرتها “لوفيغارو”، ويرى بهلوي أن النتيجة التي انتهت إليها الانتخابات لا قيمة لها أصلاً. لأن العملية جرت في جو من التزوير والمخالفات –باعتراف وزارة الداخلية الإيرانية نفسها، يقول رضا بهلوي-، والرجل الذي تم انتخابه، أصلا لا يستطيع أن يحرك ساكناً بدون إذن من رجل آخر غير منتخب هو المرشد الأعلى، الذي يمسك بمقاليد كل شيء ابتداء من الجيش وانتهاء بعائدات النفط. غير أن الشاه يرى ضوءاً في نهاية النفق، حيث يعتقد أن قطاعات واسعة من الأجيال الشابة في إيران تريد رؤية نهاية لهذا العهد، وهذه الأجيال هي الأمل –برأيه- في التقدم والانفتاح وإعادة إيران إلى ما كانت عليه. غير أن المطلوب من فرنسا والدول الديمقراطية هو مساعدة أجيال التغيير هذه، والتي ستتذكر في المستقبل من وقف معها ومن وقف في صف خصومها. وتستطيع فرنسا فعل الكثير للضغط على طهران إذا عرفت أن “كعب أخيل” النظام الحالي هو الديمقراطية وحقوق الإنسان.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)