ألفاظ زجاجية على الورق• هل هذا ما يفعله حقاً منظرو إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الذين ينتقدهم هنري كيسنجر في مقاربتهم، أو في صراخهم الايديولوجي، حيال ما يدعى الشرق الأوسط الكبير، سائلاً عن ردة فعل الأميركيين إذا ما دعوا إلى تهديم تمثال الحرية وإقامة تمثال للشيطان مكانه•

ثمة مستنقع عراقي شاسع• الغد يأتي بمفاجآت كبيرة، فيما العلاقات بين واشنطن ودمشق لا تزال على حالها من التدهور “إلى أين؟”• سفير أوروبي في بيروت يقول إنه لابد أن يستسلم السوريون• كيف وما هو الثمن؟ بقاء النظام••

على كل، هذه قد تكون محاولة لانتزاع الابتسامة الأميركية، أي التعيين المحتمل لــ وليد المعلم وزيراً للخارجية محل فاروق الشرع• ابتسامة أم مناديل بيضاء بعدما قرر المؤتمر القطري لحزب البعث تنفيذ سياسة التقشف الجيوبوليتيكي؟

نسمع من سفير أوروبي بارز هذا الكلام، عقب جولة بانورامية في التطورات وفي الاحتمالات: أخيراً، سنرى السوريين يستسلمون لأميركا! هذا منطق الأشياء، أم هذه قوة الأشياء، لعلها جدلية الأشياء أيضاً، فالذي يحصل هو الزلزال الأميركي• كل نظام يضع تلك الأولوية المقدسة: أن يحمي نفسه• السوريون سيضطرون ليفعلوا ذلك ولكن ما الثمن؟

بداية لماذا الضغط على سوريا إلى هذا الحد؟ وهل حقاً أن الأميركيين فكروا بدمشق أولاً ثم اختاروا بغداد إما بسبب موقعها الجيو - ستراتيجي الأكثر حساسية «كونها تتاخم تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية وسوريا والأردن والكويت» أو لأن الرئيس السابق صدام حسين ساقط دولياً واقليمياً بعدما أحرق الشرق الأوسط أكثر من مرة ولأسباب طالما وصفت بالنرجسية وبالعشوائية؟ الأميركيون لديهم مشروعهم، أي الشرق الأوسط الكبير الذي تراجع الحديث عنه كثيراً هذه الأيام، ربما لأنهم، وبسبب التجربة العراقية التي بدأت تنتقل، كما التجربة الفيتنامية، إلى عقر دار الأميركيين «ألم تقل مادلين اولبرايت: الزرقاوي يدقّ أبوابنا؟»، ولم يعودوا يستطيعون أن يحققوا حتى الشرق الأوسط الصغير؟

برمجة الأرواح المشروع يقضي، وكما فهمنا، بتحويل المنطقة الممتدة من موريتانيا إلى باكستان، إلى حالة افلاطونية تزدهي فيها الديموقراطية كما ينتشر الرخاء، ولعله يفترض بنا التوقف عند الكلام الذي قاله هنري كيسنجر تحت عنوان امبراطورية الهذيان، معتبراً أن من المستحيل التفكير بهذه الطريقة أي برمجة الأرواح، فهذه مجتمعات تحمل على ظهرها ركاماً ميتافيزيقياً هائلاً، كما أن لها مفاهيمها ومعاييرها الأخلاقية والحضارية والتاريخية التي لاشك أنها بعيدة عن مفاهيم هارفارد مثلما هي بعيدة عن مفاهيم لاس فيجاس، ناهيك عن مفاهيم تلة الكابيتول•

في رأيه إننا أقمنا ذلك الحائط الاسطوري الذي إذا لم نتمكن من القفز من فوقه فلابد أن نتلاشى في ظله، مضيفاً بأن اختيار المصلحات لا يقل حساسية عن صوغ السياسات• استطراداً، فإن الولايات المتحدة أضحت رهينة المصطلح الذي يحكم المواقف وحتى المقتضيات الاستراتيجية للامبراطورية• لا يكفي أن يوضع مشروع الشرق الأوسط الكبير هكذا في الظل• إذا لم يشأ الرئيس جورج دبليو بوش أن يعتذر بامكانه القول ان هذا المشروع هو خطة أميركا للقرن الحادي والعشرين• هذا هراء أيضاً، حسبما يضيف كيسنجر، الذي يعتبر أن التكنولوجيا، لاسيما تكنولوجيا الفضاء، تتطور على نحو مذهل• كل تلك الأفكار التي تراكمت عبر التاريخ وسواء كانت جغرافية أم تاريخية أم فلسفية ستنهار••

الإدارة في حالة ضياع فعلاً• يسأل جيم هوغلاند: أي شرق أوسط كبير هذا، عندما لا نستطيع أن نلقي القبض على رجل واحد يدعى أسامة بن لادن، هو بين فكّي الكماشة، ومن داخل الكهوف يهدد ناطحات السحاب في نيويورك، وعندما لا تتمكن كل تلك الأقمار الاصنطاعية، وكل تلك الغارات، من تحديد مكان رجل واحد أيضاً يدعى أو يحمل لقب أبي مصعب الزرقاوي؟

حرب عالمية ولحظات نووية كيسنجر يعتبر أن ما طرحه الرئيس بوش الابن يحتاج إلى حرب عالمية تتخللها لحظات نووية هائلة، ليشير إلى أنه كان بوسع واشنطن أن تحمي مصالحها الكبيرة بطريقة أخرى، لا أن تلجأ، كما الدول البدائية، إلى الصراخ الايديولوجي• هذا الصراخ هو الذي يفضي إلى نتائج معاكسة تماماً، فالكثيرون يعتقدون أن ما تطرحه الولايات المتحدة هو تفكيك البنية العقائدية للمجتمعات: لنتصور أن هناك من يدعو الأميركيين إلى تهديم تمثال الحرية وأن نقيم محله تمثالاً •• للشيطان•

هذا ليقول: لا يعني هذا البتة أنني مقتنع بأن مجتمعات الشرق الأوسط، في معظمها، ينبغي أن تستمر في الوتيرة الراهنة، وحيث الخوف من المستقبل، أو حيث التعايش مع اليأس، أو حيث سيطرة اللامعنى، أو حيث استشراء القهر، يدفع بتلك المجتمعات إما إلى الانغلاق التلقائي، أو إلى التأويل البدائي، والعقيم، لديناميكية الحياة•

والحقيقة أن الذين تابعوا كتابات منظري الإدارة، من كارل دوف، إلى ديفيد فروم، ومن وليم كريستول إلى روبرت كاغان، يلاحظون كما لو أن المطلوب إدارة العالم من داخل غرفة زجاجية، فيما هناك كلام هام للأميركي بنيامين فرنكلين وهو أن أي سياسي لا يستطيع أن يكون سياسياً حقيقياً إلا إذا كان على علاقة عضوية بأحاسيس الآخرين• الذي يجري هو وضع تلك الألفاظ الزجاجية على الورق، لا بل أن كاغان وصل إلى حد القول، وكما هو معروف: نحن أبناء المريخ، الآخرون أبناء الزهرة• هذه هي الترجمة الحرفية للكلام: بين الأميركي والآخر المسافة نفسها “طبعاً المسافة الضوئية” بين كوكب وآخر••

كن ديموقراطياً! ليس كيسنجر هو وحده الذي يقول هذا• في فرنسا نقرأ لــ أوبير فديرين قوله إن الأميركيين، وفي أدائهم الاستراتيجي أو حتى الأخلاقي، حيال ما دعوه بالشرق الأوسط الكبير انتهجوا سياسة انتقائية مدمرة، واضح أن البعد الأخلاقي الذي يتم تسويته إنما ينطلق من لعبة المصالح التي هي، هنا، لعبة الآلهة: كن لا شيء وكن ديموقراطياً• لعل هذا يعيدنا إلى المفكر الشهير بيار دوشاردان الذي قال: في البداية أريد أن أكون شيئاً، بوسعكم إذ ذاك أن تطلبوا مني أن أكون شيئاً آخر•

لا أحد يقول إن الأداء السوري أداء مثالي حيال الكثير من القضايا، ولكن عندما تكون أجزاء من دولة ما تحت الاحتلال، لا مجال للطلب منها القفز فوق هذا الاحتلال وبناء سياسات معينة، صحيح أن الناس أصبحوا أقل قابلية بكثير ليصدقوا أن الحكومة معنية فعلاً بأهلها وأرضها، صحيح أيضاً ذلك التماهي المروع بين الدولة والسلطة، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة قضية، وان البراغماتية مهما بلغت من الحذق والنباهة، والقدرة على المناورة بطبيعة الحال، لا تستطيع أن تحجب هذه القضية• مرتفعات الجولان موجودة في كل مكان من العقل السياسي السوري، وإن كان ناثان شارانسكي يكتب للسوريين: من فضلكم انسوا مرتفعات الجولان مثلما نسيتم لواء الاسكندرون• كلام جارح وفظ، ولا يأخذ بالاعتبار أن الدول تبني سياساتها أخذاً بالاعتبار التوازنات الاستراتيجية والتبادلية في المصالح• هذا يحدث في العلاقات بين الدول السوية، فقد تزاح قضية ما جانباً لمقتضيات تكتيكية بحتة، أو لأن ترتيب الأولويات يفترض ذلك• بالنسبة إلى الإسرائيليين الذين لهم حتى مفهومهم الخاص للبقاء، وحيث يتقاطع الايديولوجي مع الاستراتيجي على ذلك النحو المثير، لا مجال للتفكير هكذا• إذا وضعت مرتفعات الجولان جانباً فقد يفكرون بــ سوق الحميدية• من زمان تخلى الأتراك عن تركيا الكبرى، وراحوا يبحثون عن الذوبان في القارة العجوز، إن كان بالنظر إلى تزلقها الاقتصادي أو بالنظر للجاذبية الحضارية التي تتمتع بها، هل تخلّى الإسرائيليون عن إسرائيل الكبرى؟

تفتيت سوريا•• وحتى بعيداً عن سوريا، إن تل أبيب ترصد كل حركة عربية• ممنوع أن يفكر العرب نووياً حتى من أجل التحصيل الجامعي فقط• ولكن يحق لها أن تنام على مائتي رأس نووي يمكنها تحويل العالم العربي بأسره إلى هيروشيما• ولكن ممنوع أيضاً على العرب أن يفكروا بأرضهم، وحتى بإنسانيتهم• هذا يحدث للفلسطينيين، من أيام دايفيد بن غوريون• هل يمكن للإسرائيليين ان يتحملوا سوريا دولة واحدة؟ بعيداً عن أي نظام، هذا حلم إسرائيلي قديم: تفتيت سوريا، وإن كان يلاحظ أن العرب يكادون يتفردون عالمياً بمقولة التماهي بين بقاء النظام وبقاء البلد••

كان في نظر ريتشارد بيرل الذي خرج، بالطريقة المعروفة من البنتاغون بعدما ترأس مجلس السياسات الدفاعية الذي يضم 18 شخصية بارزة، أن سوريا هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تلعب بشراسة خارج حدودها• ثم قدم أمثلة على التدخل، على المستوى التكتيكي أو على المستوى الاستراتيجي، في لبنان، وفلسطين، والأردن، والعراق، ليلاحظ أن هذا اللعب البهلواني يجب أن يتوقف• هو أول من قال: إذا لم يدرك بشار الأسد ما يحدث وما عليه أن يفعل فسيستيقظ ذات يوم ليرى ان قواعده الجوية ومعسكرات استخباراته “في لبنان” وقد أصبحت أثرا بعد عين•

والذي تبين من خلال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث أن المؤتمرين قرروا، وكما أسلفنا في مقالة سابقة، تنفيذ خطة ترمي إلى التقشف الجيوبوليتيكي، أي إعادة النظر في كل السياسات أو التطلعات الاقليمية وإعادة ترتيب البيت السوري الذي لاشك انه يعاني من ثغرات أو حتى تصدعات كثيرة على المستويات كافة•

كان يفترض أن يلقى هذا بعض الصدى في واشنطن، ولكن على العكس من ذلك، ما إن وطأت قدما وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أرض المنطقة أو حتى قبل ذلك،حتى سارعت إلى استكمال الحملة على دمشق التي سحبت منها السفيرة الأميركية مارغريت سكوب ولم تعد، لتبقى العلاقات هكذا عالقة أو معلقة في المجهول••

سوريا تحت الأشعة الحمراء الأميركية• يذهب الرئيس بشار الأسد إلى موسكو، فتسبقه لاءات أميركية حتى حول تفاصيل عسكرية محدودة جداً، فالسوريون ممنوعون من أن تكون لهم منظومتهم العسكرية المتكاملة• وهذا بات معروفاً تماماً لتتسع أكثر فأكثر تلك الهوة على مستوى المواجهة الاستراتيجية بين دمشق وتل أبيب، وحين اختبر السوريون صاروخ سكود قامت الدنيا ولم تقعد، مع أن هذا لا يغير البتة في ميزان القوى، ولندع أحد الخبراء الفرنسيين يتحدث عن صواريخ برؤوس سيكولوجية، أي تلك الصواريخ التي لا تأثير استراتيجياً لها، وإنما تتعلق فقط بربط المؤسسة العسكرية بحد معين من الروح المعنوية•

واضح أن الأميركيين يريدون من الحكومة السورية ان تقطع أي علاقة لها مع إيران• والواقع أن السوريين، ورغم دقة ذلك الطلب، قد يكونون مستعدين للبحث في ذلك، ولكن دائماً يقتضي السؤال عما سيقدمه الأميركيون لقاء ذلك: لاشيء••

النظام باقٍ باقٍ إذاً، على السوريين أن يتنازلوا لقاء لا شيء، لا، لا، هناك تسريبات واضحة بأن الأميركيين بأصابعهم الغليظة، أوكلوا إلى الفرنسيين بأصابعهم المرهفة، مهمة معالجة الملف اللبناني، انطلاقاً من قرار مجلس الأمن الدولي رقم •1559 ومن باريس يأتي الخبر اليقين بأن لا اتجاه إلى ازالة النظام في سوريا، ولكن أي نظام إذا كان تحت الحصار؟

السوريون اتقنوا لعبة الأعصاب الباردة أعصابهم ليست كذلك الآن من الطبيبعي ان يحدث هذا، فخروجهم من لبنان لا يمكن أن يكون بالحدث العادي بالنظر لتداعياته البعيدة المدى، وعلى كل المستويات وإن كان من الضروري القول ان استمرار ذلك الوجود، في ظل الأخطاء والارتكابات الهائلة التي كانت تظهر على الأرض، لم يكن ممكناً ولا مبرراً، ولا لمصلحة أي من البلدين على الاطلاق•

تالياً، إن استمرارية أي نظام تخضع لمنطق معين، فالسوريون وضعوا دائماً ثوابتهم في الضوء، والتخلي عنها أو عن جزء أساسي منها يبدو وكأنه التخلي عن جزء أساسي من روح النظام وإن كان واضحاً أن السوريين الذين أرهقهم نمط معين من السياسات يتطلعون إلى الانقشاع السياسي “الداخلي”والاقتصادي على السواء، ما طُرح في المؤتمر القطري ينطوي على مؤشرات إيجابية لا ندري إلى أي مدى يمكن أن تتراجع عملياً، ولكن لا بديل عن إعادة ترتيب الأولويات، ومع ذلك فإن كوندوليزا رايس لا تزال تكيل الاتهامات الحادة كما لو أن المسألة تتعلق بنسق سياسي معين أو بسيناريو معين خصوصاً إذا ما أخذنا بالاعتبار أن الرئيس بوش يستخدم اللهجة نفسها، وإن بوتيرة أقل، كما أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي بدا كما لو أنه ابتعد عن الضوء لسبب ما، عاد ليوجه الاتهامات إلى سوريا، مع تردد معلومات أوروبية تقول إن رجل البنتاجون يبحث فعلاً، في تقديم استقالته، ولكن في هذه الظروف العراقية بالذات لا بد وأن تبدو كما لو أنها إقرار بالفشل الأميركي الكبير في العراق•

لحظة•• المناديل البيضاء الواقع أن هناك من يقول إن العلاقات بين واشنطن ودمشق يجب ألا تبقى على تدهورها الراهن، إلا إذا كان صحيحاً ما يقوله السفير الأوروبي إياه من أن العلاقات ستظل على تدهورها إلى اللحظة التي يرفع فيها السوريون المناديل البيضاء، مع تقديم النصح إليهم بألا يراهنوا على خروج أميركي سريع من العراق رغم ارتفاع نسبة المعارضين في الولايات المتحدة على ذلك النحو المثير للبقاء في بلاد الرافدين•

لا ريب أن التطورات الدموية اليومية في العراق تستنزف، بالدرجة الأولى، الهالة المعنوية للولايات المتحدة حدث فشل كبير، يومياً هناك عشرات القتلى والجرحى من العراقيين، يوميا يسقط جنود أميركيون، التوقيع في غالب الأحيان أبومصعب الزرقاوي•

الامبراطورية بكل عظمتها وبكل امكاناتها لا تستطيع الإمساك برجل غامض يقض مضاجع العراقيين ولا يوفر الأميركيين بطبيعة الحال، مع أن أهل العراق يفترض أن يكونوا وإلى إشعار آخر ، أمانة في أعناق الأميركيين، لا أحد يحميهم على الإطلاق، بل إن كل شيء يؤكد أن الأزمة ماضية إلا ما لا نهاية• هل يكون الحل “ويا للسذاجة” بحمل السوريين على الاستسلام؟

عادة، إن أزمة بهذا التعقيد لا يمكن أن تحل إلا بطرق محددة حرب عالمية «والنموذج الاسباني عشية الحرب العالمية الثانية ماثل للأذهان» أو بالانسحاب دون النظر إلى الوراء «تماماً كما حدث في فيتنام» أو حصول توافق دولي وإقليمي «على غرار اتفاق الطائف اللبناني»، وإن كان العنصر الأصولي قد دخل إلى المشكلة دون أن يحل مشكلته مثل ذلك التوافق، إذ لم يكن هناك من طريق إلى الحل عبر أحد الخيارات الثلاثة، فالثابت أن الوضع العراقي بدأ يلعب بعيدا في عمق المنطقة الحمراء، والخوف كل الخوف من أن ينسحب الأميركيون فجأة، كل التقديرات تقول إن الشرق الأوسط كله سيشتعل في هذه الحال•

لكن هل باستطاعة دمشق أن تقدم رأس الزرقاوي للأميركيين على طبق من القش؟ هذه مسألة معقدة جداً، والأميركيون الذين يشعرون بعجزهم عن احتواء تلك الظاهرة مع أن عدد المساعدين للزعيم الأصولي الذين يقولون إنهم قبضوا عليهم أصبحوا تسعة، إذاً، انتظروا، ربما، لكي يرتفع عدد المساعدين إلى ألف وإذا ذاك يمكن القبض على الرجل الذي يقال ان هناك ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف رجل بين يديه•

فلسطينياً ماذا يفعل السوريون؟ إن سياسية المماطلة التي ينتهجها ارييل شارون بدت وكأنها تمهد عن قصد لانفجار فلسطيني، وإن كان ملاحظاً إن الهدنة المعلنة تزاد هشاشة يوماً بعد يوم، لم يعد يجدي التدخل السوري في هذا الاتجاه أو ذاك• الغرق الأميركي في الملف العراقي • والغرق الإسرائيلي في الملف الفلسطيني• أين يغرق السوريون إذاً؟ إنه السؤال الذي من الطبيعي توجيهه إذا ما أدركنا حجم الضغوط الأميركية•

الاستخبارات السورية لا مجال البتة للقول إن السوريين يغرقون في الملف اللبناني، بالطبع لهم نفوذهم والبعض يقول بعض خيوطهم، ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي يقول لنا إنه لا تدخل يومياً ولا أوامر ولا اتصالات، ولطالما تردد ربما لــ ضرورات انتخابية آنذاك الاستخبارات السورية كانت تسرح وتمرح، وبالطبع دون أن تكون هناك قرائن دامغة، وهو ما ستتأكد منه لجنة التحقق التي ستعود إلى لبنان للبحث عن الإبرة داخل كومة القش، فلا أحد يستطيع أن ينكر انه، وفي ظل الضبابية الراهنة ومع اعتبار ظروف إعادة تكوين السلطة في لبنان، أن العديد من أجهزة الاستخبارات تتربص لبعضها البعض أو يتعاون البعض مع بعضها الآخر، لكي يعمل لمصلحته الخاصة بطبيعة الحال••

عادة، وفي أكثر الظروف اكفهراراً، كنت تجد داخل الإدارة الأميركية من يبتسم لدمشق ولو نصف ابتسامة• الآن لا أحد يبتسم، من مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد والش وحتى الرئيس جورج دبليو بوش، مروراً بمستشار الأمن القومي ستيفن هادلي ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ونائب الرئيس ديك تشيني، دون أن يعني هذا ان المفاجآت غير واردة، وإذ يتردد اسم الديبلوماسي المرن وليد المعلم لحقيبة وزارة الخارجية خلفاً للوزير فاروق الشرع الذي طال وجوده في منصبه وطال، فهل الهدف هو أن ينتزع المعلم، بابتسامته المعروفة، الابتسامة الأميركية، وهو الذي كان في واشنطن ويعرف، عن كثب، الكثير من الخفايا؟ في الظروف الراهنة، من الصعب أن يحدث تعديل في التكشيرة الأميركية إلا إذا•••

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)