قررت أسرة سورية تعيش في واشنطن، رفع دعوى قضائية ضد الحكومة السورية وأجهزتها الأمنية، لإجبارها على الكشف عن مصير أحد أبنائها المختفي منذ عام 1979. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وثيقة الصلة بأسرة المواطن السوري محمد زهير الباشا، أن الأسرة بدأت بطرق باب القضاء الأميركي بالتعاون مع أسر أخرى لها قضايا مشابهة، في سبيل الإفراج عن معتقلين منذ سنين طويلة أو معرفة مصيرهم على الأقل.

ووفقا لمصادر «الشرق الأوسط»، فإن أعضاء في الكونغرس الأميركي أعربوا عن تشجيعهم للأسر السورية، على مقاضاة النظام في المحاكم الأميركية، بما يفتح المجال لمساءلة المتسببين في تغييب أبنائهم أو ممن مارسوا التعذيب ضدهم.

ومن القضايا المتوقع مطالبة النظام السوري بالكشف عنها، قضية المواطن محمد زهير الباشا وهو من مواليد 1957. وقد أكد والده «للشرق الأوسط» أن مصيره ما زال مجهولا، منذ أن اعتقلته المخابرات السورية في جامعة دمشق قبل 28 عاما.

«الشرق الأوسط» التقت بالباشا في منزله بإحدى ضواحي واشنطن، فروى قصة ابنه المختفي قائلا: «ولدي محمد ريم من مواليد 1957 كان ذكيا جدا يحب القراءة والمطالعة بشكل مذهل، ولم يكتف بقراءة ما تضمه مكتبتي الضخمة، بل كان قد ولع بالمزيد منها، فكان ينفق كل مصروفه في شراء الكتب، وكان منتسبا إلى كلية الحقوق بجامعة دمشق، وكان منتظما ومواظبا في دراسته يقضي معظم أوقاته في القراءة ومراجعة المواد الدراسية وهو أكبر البنين. وفي يوم 11 يوليو “تموز” 1979، ودع والدته وذهب إلى الجامعة، ومن يومها لم يعد ولم نعرف له أثرا، ولم ندر عنه خبرا، ومرت ليلة صعبة جدا لا يمكننا وصفها، وتوجهت مع والدته صباح اليوم التالي إلى الجامعة، وسألنا زملاءه فقالوا إنه لم يأت البارحة، سألنا عنه الأهل والأصدقاء فنفوا علمهم بأي شيء عنه. بحثنا عنه في كل مستشفى في كل قسم من أقسام الشرطة من دون جدوى، فاشتد خوفنا وأسرعنا إلى إخفاء كتبه بدفنها في أرض أحد الأصدقاء، الذي أحرقها بعد مدة خوفا على نفسه وعلى عائلته وأولاده. لم نجرؤ على السؤال عنه في أقسام المخابرات، خوفا من أن تدمر كل العائلة، كما كان يحصل في سورية. ولكن الألسن تناقلت الخبر بسرعة وبعد 3 أيام من اختفائه، استدعوني إلى قسم المخابرات الأمنية في شارع الخطيب، وتولى النقيب عدنان الحلو التحقيق معي، وتعرضت للتعذيب الجسدي والنفسي، حيث كنت أرى وأسمع المعذبين في ذلك القسم. وتعرض ولديّ تميم ووسيم لضغوط ودعوات متكررة للتحقيق. وأصبح بيتنا هدفا لرجال المخابرات.

وتابع قائلا «أصبحت أسأل من أعرفه ولهم علاقات مع بعض الأجهزة في النظام، ليساعدوني في الحصول على أية معلومات عن ولدي المفقود محمد ريم، فكان البعض يطلب مني مبالغ باهظة بالنقد الأجنبي، مقابل رؤيته على بعد مسافات بعيدة، والتي لم أستطع منها أن أميز إن كان هو أم أنه شخص آخر. وعندما طلبت رؤيته عن مسافة أقرب حتى أميزه، أو أتعرف عليه، طلب مني ضعف المبلغ، الذي لم يكن بحوزتي ولا بمقدوري توفيره. فقد استنزفوني منذ اختفائه..» وأضاف الباشا في روايته «وفي عام 1987 أخبرتني ابنتي بثينة، بأن صديقتها المقربة جدا، أعلمتها بأن أحد معارفهم أيضا كان في السجن، وأفرج عنه، ذكر أنه التقى بولدي محمد ريم خلال استراحة نادرة ولدقائق، في باحة السجن، بعدما وضعت أكياس من الورق على وجوههم، حتى لا يتعرف المساجين على بعضهم، إلا أن الاثنين رفعا الأكياس بسرعة وبنفس الوقت، فتعرفا على بعضهما، وذكر رؤيته لابني وكانا زميلين قبل سجنهما.

وأضاف «لم تتحمل زوجتي كل ذلك، فأصيبت بارتفاع ضغط الدم الشرياني، ولم تعد تستطيع النوم من شدة خوفها على بقية أفراد الأسرة، فكان الطبيب يعطيها مسكنات لتتمكن من النوم.. ثم تطورت الحالة إلى أزمة قلبية، أدت إلى وفاتها في الولايات المتحدة الأميركية عام 1989 بعد دخولها في غيبوبة». وتحدث الأب كذلك عن سيرته الشخصية ايضا، فقال «أنا من مواليد دمشق 1931 أحمل شهادة ليسانس من كلية الآداب بجامعة دمشق قسم اللغة العربية، كنت أستاذا ثم اجتزت مسابقة، فالتحقت بوزارة الثقافة والإرشاد في عام 1959، عملت فيها بعدة أقسام. ومنذ عام 1972 بدأت الضغوط علي، لأنني كاتب لا أتفق مع أيديولوجية البعث الشمولية. وكنت وما زلت من أنصار الديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر. وهذا ما كنت أشير إليه دائما في كتاباتي. لقد استدعيت من قبل وزير الثقافة آنذاك السيد فوزي الكيالي عدة مرات، حتى بلغ به الأمر محاولة ارغامي للانتساب الى حزب البعث الاشتراكي، والالتزام بمنهجية البعث في كتاباتي، فرفضت، فما كان منه إلا أن نقلني وبدون إرادتي، إلى قسم آخر في الوزارة كموظف بلا عمل. وتكرر نفس الشيء مع الوزيرة نجاح العطار، فازداد الحصار علي. ثم أرغموني على تقديم طلب استقالتي».

وتابع قصته قائلا «منعت من الكتابة، ومنعت مسرحياتي الكوميدية التي أعددتها مسبقا لتعرض في أحد المسارح بدمشق. ثم عدت إلى التدريس، مهنتي الأولى. وعرض علي إمكانية الاستمرار في الكتابة، على أن يكون قلمي مواليا للنظام، فرفضت وفضلت الاستمرار في المجال التربوي، فمنعت إثر ذلك من التدريس في المدارس والمعاهد العامة، وضيقوا علي الخناق، إلا أنني لجأت إلى التدريس الخاص في المنازل، حتى يمكنني أن أعيل أسرتي».

وأضاف «ولأني انتقدت سياسة التدخل في شؤون لبنان، ودخول القوات السورية إليه، استدعيت إلى فرع المخابرات العسكرية في شارع بغداد، فذهبت إليه صباحا حسب الموعد، وتعرضت طوال النهار إلى تعذيب جسدي ونفسي، إذ كنت أسمع ما يدور في الفرع من تعذيب للناس.. ومساء أدخلوني للتحقيق، وكان رئيس المحققين عدنان الحلو، وهو شقيق زوجة نائب رئيس مجلس الوزراء محمد حيدر آنذاك. كان ذلك بعد اختفاء ولدي محمد ريم، الذي تحدثت عنه. وكان استدعائي إلى المخابرات العسكرية كل شهر لتجديد التحقيقات، أو يداهمون البيت فيحققون مع زوجتي وأولادي، ويقومون بتفتيش البيت حتى أصبح الجيران والأقارب يخافون من المجيء لزيارتنا، وتجنبونا لخوفهم من أن يتعرضوا للمضايقات أو التحقيقات، من خلال معرفتهم لنا، فأصبحنا معزولين، كل هذا جعلنا تفكر بالخروج والسفر إلى الولايات المتحدة، وبنفس الوقت خفنا من الافصاح عن جهة البلد، فكان في كل مرة يسافر الواحد منا تلو الآخر بدون ذكر أميركا، فكنا ندعي السفر لزيارة ابنتي المريضة في لندن، حتى لا نتعرض للتحقيق والمساءلة. وجعلت أبنائي يغادرون وبدون أن يشعر الجيران، وحتى أصدقاؤنا المقربون ظنوا أن سفرنا كان إلى لندن، وليس أميركا، إلى أن كان بيعي للبيت لقريبتي (بنت أختي)، وادعيت أنني مغادر إلى مدينة حلب. وكانت مشكلتي الكبرى الحصول على تأشيرة الخروج من البلاد، فقد كلفتني مبالغ طائلة، الى أن حصلت على اذن سفر في سبتمبر “أيلول” 1988، والتقيت فيه بجميع أفراد عائلتي، الذين سبقوني فردا فردا، ماعدا ابنتي الكبرى وفاء، فهي مقيمة في لندن مع زوجها وعائلتها».

وأوضح أنه قبل هذا بسنوات «كانت ابنتي بثينة سافرت إلى أميركا للدراسة في فبراير“شباط”)1983، وتبعها ابني وسيم في شهر أكتوبر“تشرين الأول” من نفس العام».

وختم الباشا حديثه قائلا «رغم وجودنا في الولايات المتحدة ما زلنا نشعر بالخوف والقلق على حياتنا، من أجهزة المخابرات السورية، والعناصر التابعة لها في الخارج».

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)