تزوجت الصبية هدى أبو عسلي أثناء دراستها في كلية الآداب، دمشق، من شاب من غير طائفة أهلها. وقامت بعقد قرانها عليه. لاحقاً عرف أهلها بالأمر. وبعد مفاوضات حول الأمر، أعطيت السماح من أهلها أن عودتها آمنة ولن تتعرض أي مكروه.

وما إن عادة هدى إلى بلدتها (مدينة السويداء) حتى قام أبوها وأخيها بقتلها عبر طعنها بسكين وإطلاق النار عليها. ومساء اليوم ذاته أقام الأهل عرسا حقيقياً تضمن رقصات وزغاريد، بينما كانت جثة ابنتهم هدى في طريقها إلى المشفى الوطني بالسويداء.

ما لم تقله هدى لقاتلها بعد.

أنا هدى. . . وأنت لست أبي؟!. .

ها أنا أعود يا أبي. تسريحة شعري لم تتغير, وكذلك لا تزال عيناي تشبه عيناك. أتنفس هواءً خفيفاً, ويعلق على جسدي آثار البرد الاصطناعي الذي يبثه "تكييّف" الحافلة, وأحيد بسمعي عن لحن صاخب بلا معنى.

أنا هدى يا أبي. قلبي ينقبض بشدة من الطريق الطويل الملتوي، ويخبرني بأني أجتازه للمرة الأخيرة. . . فأبكي. أنزف سائلاً مالحاً من عينيَّ، وترأف لحالي جارتي في المقعد. تدسُّ في يدي منديلاً ورقيّاً، وتقول في نفسها: "هكذا هم العشاق يعضّهم حنين مفاجئ فيصير مطر عيونهم بلا نهاية."

لا تعلم جارتي أنك قلت لي: "عودي نسامحك". فعدت، وقلتُ لأطيّر مخاوفي: "سيلومني هو وأخوتي أو ربما يضربوني ليرتاح الدم الهائج في عروقهم، سيقاطعوني لزمن ثم يشفقون عليّ، وأمي ستمسح دمعي المسائي، وتتفقد أطباق الطعام أمامي وتلومني لأني لم أأكل. ".

هل سأعود، وأجلس على ركبتيك، وتعود كما كنت تمرر أصابعك بين خصل شعري المتشابك، وتسألني عن أخبار الجامعة ثُم تقّبلني على جبيني، وتنصرف لشؤونك؟!

أنا هدى يا أبي. أطاع قلبي رجلاً ليس من دينكم لكنه يشبهكم في الشكل لأنه من صنع الإله الذي صنعكم. لم يقتل أيّاً منكم لتحكموا عليَّ بالموت! تجرأت وصدقتك فعدت يا أبي! عيناي تسبقني لرؤية عينيك، وتسألهما ما إذا كنت ستمنع أخوتي عن ضربي وتنهرهم بعيداً عنّي، ثم تفتح ذراعاك على ملئهما لتلتقطني!

كم أنا متعبة! وكم أحتاج للبوح بين ذراعيك، و البكاء. إذاً لا تعذبني فتسقط عينيك دفعة ً واحدة فوق عيني. بل انتظرهما حتى تّجفان. فلم أختر من الدنيا سواك لأخبره عن تعبي وعن قلبي المفطور بينكم وبين من أحب.

عدت يا أبي إلى بيتك وكأني أراه للمرة الأولى أخرجت أريك من حقيبتي الصغيرة عقد زواجي الشرعي! لكنك لم تعانقني بل كان في يدك نصل سكين تمنيت أن تكون قد صقلته جيداً ليحز حنجرتي دون ألم! وها هم أخوتي يتقاطرون حولي كالذئاب، وأنت لا تمنعهم! وتطعنني فلا أتألم لأن عينيك رجفتا فجفل فيهما دمع ولم يسقط فوق وجهي!

هل أخبركُ أن الدم الساخن لا يؤلم حين يخرج من الجسد؟! وهل تعلم أنك تموج الآن خلف غشاوة انسدلت فوق عيني؟! وبدأ الموت يعيّني من طعنات سكينك، فأتلوّى برأسي الآخذ بالتخدر والهذيان ولا أتذكر سواك؟! ثم يتسع المدى أمامي كلما ثقبت جلدي رصاصة يطلقها ابنك البكر، وها أنت اختفيت خلف الغشاوة التي أعمت عيني فلم أعد أراك بجسدي.

لكني صرت أكثر خفة، ومن فوق كنت أراقب العرس الذي أقمت. ليس احتفالاً بزفافي بل لأنك استرجعت شرفك الذي سلبتك إياه. أمي تزغرد، وأخوتي الذكور يرقصون فوق بقعة الدم التي تركتها لكم قرب جسدي. هناك على عتبة بيتك ياأبي؟!، واعذرني لأني نسيت للحظة أن جسدي وقلبي وشرفي هم ملككم. اعذرني لأني استعرت قلبي منكم قليلاً، وأحببت على هواه ثم رددته إليكم مع باقي الأعضاء: الرأس بمحتوياته، والأحشاء كاملة. بالإضافة إلى اليدين والقدمين. . . أرجو أن أكون قد لا نسيت شيئاً. . . آه الشرف. الشرف أعدته هو الآخر إليكم. فأسترد نفسي وأصير أنا هدى. . . . وأنت لست أبي.

ملاحظة مثل الخاتمة: قتلت هدى ابنة العشرين عاماً وهي فتاة درزية تدرس في كلية الآداب –دمشق- على أيدي أهلها بعد أن تزوجت شاباً كرديّاً. وهذه واحدة من مئات الميتات المرتكبة باسم جرائم الشرف. تلك التي لا يزال القانون يحميها خوفاً من أن يفقد شرفه هو الآخر؟؟!!