ثورة الضاحية الباريسية تتواصل•• والحكومة لا تحرك ساكناً! ما العمل مع تنامي أعمال العنف الحضري في الضواحي الباريسية؟ وما هي الدلالة الحقيقية لتصريحات الرئيس الإيراني الأخيرة؟ ثم هل ستتعمق جراح الرئيس جورج بوش السياسية خلال الفترة القريبة المقبلة؟ ثلاثة أسئلة نضعها تحت دائرة الضوء في هذه الجولة السريعة في الصحافة الفرنسية•

عنف الضاحية: أعمال العنف التي عرفتها الضواحي الشرقية والشمالية من باريس هذا الأسبوع، والتي بلغت ذروتها في منطقة سين- سان ديني، وتحديداً في ضاحية كليشي- سو- بوا المشتعلة منذ مقتل قاصرين من أصول مهاجرة صعقاً بالكهرباء، في 27 أكتوبر المنصرم، كان موضوع افتتاحية غاضبة في صحيفة لوموند ليوم الخميس الماضي، وفيها قالت إن انتشار أعمال العنف والصدامات الحضرية في فرنسا لم يعد فقط مسألة مقلقة، بل أصبح تحدياً خطيراً يهدد السلام الاجتماعي في فرنسا كلها•

وللتدليل على ذلك يكفي أن نعلم أنه منذ 1 يناير الماضي سجلت في البلاد 70 ألف حالة عنف حضري، وخلال الأشهر العشرة هذه تم إحراق 28 ألف سيارة في أعمال عنف واحتجاج وشغب، كما سجلت 442 مواجهة عنيفة بين مختلف العصابات الإجرامية•

إنها حرب حقيقية إذن بمعنى الكلمة، والنزيف مفتوح، والأنكى من ذلك أن الحكومة تقف عاجزة عن أن تحرك ساكناً• وحين خرج رئيس الحكومة دوفيلبان عن صمته يوم 2 نوفمبر الجاري، جاء تعليقه فقط بالقول ’’إنه لن تكون هناك حلول- معجزة لمواجهة الأحوال في الأحياء السكنية’’، ليؤكد بذلك مرة أخرى عجز الدولة، وسياسة التخبط التي تراهن عليها حكومته لمواجهة حالات العنف الحضري• أما وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، الذي يعلق آمالاً على أصوات المهاجرين في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، فقد تصرف بما يعتقد أنه ينال رضاهم، أو سينال رضاهم في رئاسيات •2007 ومع أنه أعلن أن الصرامة والعدالة ستكونان هما عماد سياسته، فإنه لا شيء يدعو للاعتقاد بأنه سيتبع سوى الأولى فقط، في مواجهة ضغوط اللحظة الحالية أمنياً•

وقد دلل وزير الداخلية خاصة على محدودية أداء نظامه الأمني، وأثبت ذلك اليوم بالدليل القاطع• ويبقى الوزير جان- لويس بارلو•• الذي ظل هو الآخر في خانة ’’الغائب الأكبر’’! أما بقية السلطات فلم يلفت أحد منها الانتباه بنجاحه في التدخل على نحو فاعل لوقف أعمال العنف التي استمرت حتى الآن 7 ليال جهنمية متواصلة•

وفي صحيفة لومانيتيه كتب جاك موران مقالاً عن الموضوع نفسه بدا فيه أكثر تفهماً لأسباب تفشي أعمال العنف في الضواحي، مبرزاً بوجه خاص عدم الاهتمام المتواصل من السلطات العمومية الفرنسية برفع مستوى المعيشة وتقديم الخدمات لسكان هذه الضواحي المنسيين الذين ينحدرون في غالبيتهم الساحقة من أصول مهاجرة• فمعظم المساكن لم تعرف الترميم أو الصيانة منذ السبعينيات، والبطالة مستشرية، والفقر مدقع، وكل الوعود التي تقطعها الدولة الفرنسية تتبخر بين أيدي أجيال من الشبان الغاضبين المهيئين في أية لحظة للتحول إلى وقود لعنف الشارع الذي نراه الآن أمامنا يتحول من هاجس إلى حقيقة ماثلة تسعى في الشوارع على قدمين وتحرق أثناء ذلك الأخضر واليابس•

أما في صحيفة ليبراسيون فنقرأ عموداً عن نفس الموضوع تحت عنوان ’’بطل رغماً عنه’’ لبيير مارسيل يتحدث فيه دور عزوز بقاق الوزير المنتدب للاندماج وللعدالة في الفرص، وما يستطيع عمليا القيام به لمواجهة الأزمة•

تصريحات أحمدي نجاد: في صحيفة لوفيغارو خصص الكاتب ألكسندر أدلر مقاله التحليلي لهذا الأسبوع لدلالات مطالبة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بـ’’محو إسرائيل من الخريطة’’، ويبدأ المقال الذي جاء تحت عنوان:’’ما الذي يريده أحمدي نجاد؟’’، بمطالبة المجتمع الدولي بعمل ما يلزم بخصوص الملف النووي الإيراني بعد هذه التصريحات الحادة، غير أنه يخلص من ذلك للقول إن المستهدف من هذا الكلام الذي جاء فيما يشبه الحملة الشعبية ليس فقط ’’دولة إسرائيل’’، بقدرما هو حجز مكان متقدم للرئيس في تراتبيات ما يسميها الكاتب ’’الملاقراطية’’ الإيرانية، وتحديداً على حساب هاشمي رفسنجاني، بل حتى مرشد الجمهورية علي خامنئي نفسه•

فمثل هذه النبرة الشعبوية شديدة اللهجة تذكِّر ببعض تقاليد فترة الغليان الثوري الأولى بعد سقوط نظام الشاه، وما ساد تلك الفترة من خطاب متشدد حيال إسرائيل وتجاه الغرب بصفة عامة، في حين تميز أداء رفسنجاني وجناح الملالي المعتدل بصفة عامة بنوع من الخطاب البراغماتي الذي يرسخ تقاليد العمل السياسي في سياق ’’الدولة’’ وليس ’’الثورة’’! ويرى الكاتب أن رفع قفاز التحدي في وجه الخارج الذي تقوم به طهران الآن لا يجب أن يجعلنا نخطئ في تقدير الموقف وعدم فهمه، فالتحدي الحقيقي الذي يواجه الرئيس نجاد هو هناك في طهران، التي ما زالت توجد فيها مع ذلك أغلبية معتدلة حتى لو كانت صامتة ولا تقبل بخطاب التشدد، أياً كان مصدره أو اتجاهه•

أوجاع بوش: في مجلة الأكسبريس كتبت آن لور مقالاً عن أسباب تدني شعبية الرئيس جورج بوش حتى وصلت الآن إلى 39% فقط، مشيرة إلى أن هذا الخبر السيئ يأتي في وقت تمر فيه الذكرى الثانية لإعادة انتخاب بوش السنة الماضية وبفارق كبير عن منافسه الديمقراطي كيري• وبعد عام واحد فقط نرى الآن كيف غير الأميركيون رأيهم في رئيسهم، وكيف تتوالى الضغوط عليه بعد أن تجاوز عدد القتلى الأميركيين في العراق حاجز الألفي جندي، يوم الثلاثاء الماضي• وتربط الكاتبة بين استمرار متاعب بوش في العراق وإخفاق جهات واسعة من إدارته في مواجهة استحقاقات إعصار كاترينا، هذا إضافة إلى تورط بعض المقربين منه ومن نائبه ديك تشيني في فضائح وقضايا منظورة أمام المحاكم•

وليس هذا كل شيء، فالإعلام الأميركي بدأت قطاعات واسعة منه تتخلى عن الدفاع عن خيارات إدارة بوش، كما واجه مصاعب حقيقية حتى في حزبه الجمهوري عندما رشح هارييت مايرز لتشغل منصباً في المحكمة العليا• وتوقعت الكاتبة أن تتعمق جراح بوش، وألا تكون سنواته الثلاث المتبقية في البيت الأبيض شهر عسل ممتعاً بأي وجه من الوجوه•

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)