" لا بد وان يكون كل من فى هذه الحافلة شبة المدمرة قد قضى إ ثر هذا الحادث المروع " هكذا علق شخص عند مروره بمركز مرورى تتكوم امامه تلك الحافلة المحطمة.

وقف ودفعه فضوله للسؤال عن الحادث وعن مصير من كان فى داخلها؛ فكان الجواب ان الرجل وإمرأ ته وأبنهما الذين كانوا فيها بخير؛ فلا يمكن ان يطالهم الأذى بجريرة رجل فاضل متوفى كانوا يؤدون العزاء لأهله؛ فرب العالمين لا يسمح ان يحدث مكروه لأحد بسبب رجل قريب من رحمة الله.

****

الشهيد رفيق الحريرى رجل كريم وفاضل وقريب من رحمة الله؛ ولا يمكن ان يلحق مخلوق او مجموعة او دولة أذى او مكروه بسببه او بجريرته. وإ ن حدث؛ فلا بد من دور شرير لارادات شيطانية اول من كان ضحيتها الحريرى وذكراه ومنا قبه وقيمه.

فهولاء لم يلحق أذاهم كل ما سنأتى على ذكره؛ بل هم ذاتهم من قتل الحريرى ثانية وثالثة ورابعة.

إن الاذى والالام والشرور التى لحقت بكل من سورية ولبنان بعد 14-شباط-2005 بلا حدود؛ وقد لا يقف عند الذى وصلنا إليه.

اورد فيما يلى قائمة ببعض خسائر البلدين والعرب والمسلمين بوجه عام إثر ذلك الحدث الجلل: - قتل العشرات من العمال السوريين الفقراء فى لبنان والذين لا ذنب لهم إلا كونهم سوريين بأيدى إخوانهم اللبنانيين الذين شعروا أن إزهاق أرواح هؤلاء قد يخفف من غضبهم إثر إغتيال الحريرى.

وربما أراد من اغتال هؤلاء ان يشعل نارا بين البلدين، ولم يفعل ذلك ثأرا للحريرى ولا حبا به؛ فالذى يحب حقيقة لا يقتل.

نجحت الارادات الشريرة بحفر شرخ نفسى بين من هو لبنانى ومن هو سورى. وتطور إحساس بالكراهية والاحتقار والانتقام بين الاخوة.

فكل ما يقال إعلاميا حول حرص لبنانى على سلا مة وخير الشعب السورى لا يزيد عن مزاودات ولا يرى فيها السوريون إلا نفاقا وتزويرا لما فى داخل اصحابه.

رغم أزمة اسرائيل مع الفلسطينيين وأزمتها العا لمية بخروجها على القانون إلا انها تعيش نشوة لم تعشها من قبل؛ ومن بين منجزاتها مالم تكن تحلم بتحقيقه؛ ألا وهو " يوم عالمى للمحرقة اليهودية (الهولوكوست ) توقف العالم أجمع على رؤوس أصابعه وبكامل إ حسا سه بالذنب تجاه "ما حدث لليهود على يد النازية " وتمرر ايضا إ خراج جنودها من غزة وتحولها إلى زنزانة للفلسطييين لا يجرؤ مخلوق ان يفتح فاه تجاهها. وتتمكن من الا ستمرار بقنص الفلسطينيين إغتيالا بصواريخها ومدافعها ولا تسمع من العالم إلا مديحا لمقاومتها للارهاب الفلسطينى.

ما حدث بث الرسائل الخطأ فى بعض النفوس السورية الضعيفة المتواجدة خارج سورية والتى تطلق على نفسها اسم "معارضة" رسائل مفادها ان النظام السورى يحتضر وما عليكم إلا الانقضا ض عليه؛ وهاكم بعض المال لتقوموا بالمهمة. وما كان هؤلاء ليدركوا ان المعارضة الشريفة هى التى تتواجد فى الوطن وتخشى عليه بقدر لا يقل إطل قا عن خشية رأس السلطة فى سورية.

ماحدث زعزع الثقة بين بلدان عربية وسورية. ومعظمها ظل ينتظر تقرير مليس ليتخذ موقفا تجاه سورية؛ ولا يزال ينتظر تقريره الجديد. وتصرف مع سورية حتى بعكس ما تقوله المسلمة القانونية المنطقية بإن ( المتهم برىء حتى تثبت إدانته ) بل تصرفوا على اساس ان سورية مدانة حتى تثبت براءتها.

على اى حال هم مشكورون. لعدم مطابقة موقفهم للموقف الامريكى تماما والقا ئل بإن "سورية مدانة حتى لو ثبتت براءتها".

ستخرج سوريا من هذه المحنة وهذا ليس تفكيرا امنياتيا بل حسابات لحجوم الازمات عندك وعند الآخرين.

ترى سوريا ان الجهة الاساسية التى تستهدفها هى امريكا والتى تنفذ سيا سات تتوافق تماما مع عدو سوريا الاساسى – اسرائيل.

ويرى البعض ان امريكا قد تهرب إلى الامام من ازمتها الحادة فى العراق. والاما م بالنسبة لامريكا هو سورية.

ربما يكون ذلك صحيحا ولكن ذلك الهروب إلى الامام سيتم وظهر امريكا لسورية ووجها نحو العراق. فالازمة الامريكية فى العراق يصعب إدارة الظهر لها. ولا ادرى كم تكون موفقا فى هروب إلى الامام بظهرك لا بوجهك. ولا يعرف المرء تماما عدد الازمات التى على بوش ان يهرب منها إلى الامام؛ وهل هى مقتصرة على العراق؟

فهل الامور الامريكية فى افغانستان بخير؟

ما معنى المداولات الرسمية الامريكية فى الكونغرس حول جذور وشرعية الحرب على العراق او انعدامها؟!

وهل لدى السيد بوش دواء لتدهور شعبيته بناء على الشكوك بمصداقيته وقدرته على قيادة امريكا بأخلاق؟!

ماذا عن الفساد فى ادارته وخاصة ممارسات ومخالفات اركان إدارته للقانون؟! هل يتحسس السيد بوش أزمة نفطية على الابواب؟ّ!

كيف يبرر للا مريكيين صرف مليارات الدولارات على حرب يقول لهم أنها تجلب الديمقراطية لبلد ويشاهدون بام أعينهم انها لم تجب لهم إلا جثث أبنائهم؟!

كيف يبرر لهم هزيمته فى الارجنتين امام قادة امريكا الجنوبية التى طالما اعتبروها تاريخيا حديقتهم الخلفية؟!

ماذا يقول لا مريكا انه فاعل تجاه اسلحة كوريا النووية واذا كان جزء غير قليل من الامريكيين يرى بأن بوش مقتنع بإنه يتصرف بناء على تواصل بينه وبين الرب الا يخشى ان يسأله هؤلاء لماذا لم يطلب من الرب ابعاد اعصارى كاترينا وريتا وما الذى سيفعله لضحايا تلك الكوارث الطبيعية؟!

لو كانت الولايات المتحدة مرتاحة او بصيرة بما عليها من اتباعه من سياسات تجاه الشرق الاوسط وخاصة سورية؛ ولو لم تقع ضحية لنزعات مريضة املتها عصابة سيا سية تتحكم بقرارات مؤسسات الحكم فى امريكا؛ لكانت استمعت إلى اصوات الحق والمنطق والمصلحة الاميركية بالدرجة الاولى.

*********

بقدر القيمة الكبيرة التى تحتلها ازمات الآخرين فى فك الازمة السورية؛ إلا ان الا سلوب السورى التقليدى -فى استخدام الزمن وازمات الآخرين كى تحل ازمة سورية – لم يعد يجدى على الاطلاق؛ وقد يكون عجزا وانفعالا وعيشا فى ردات الفعل فقط.. ولن ينجى سورية من ازمتها إلا فعلها؛ بغض النظر عن اى شىء آخر.

يشفع لسوريا ويسا عدها فى الخروج من أزمتها، اساسيات لا علاقة للسياسة بها، ومنها:

- إحساس الآخرين بأن الايقاع بسورية هو ايقاع بهم

- إحساس اللبنانيين بإنه فى المحصلة النهائية لا بوابة للهدوء والاستقرار والامان والوحدة الوطنية والحفاظ على لبنان إلا البوابة السورية.

- إحساس سورية بالقهر والظلم والغضب

- إحساسه با خطائها وتعلمها منها

- إرادتها فى الحوار والتغيير

- إيمان شعبها بنقاء وإخل ص وعزيمة الدكتور بشار الاسد

- إيمانها ببرائتها مما تتهم به

- وعى شعبها لما يحاك له

- وقوف الجما هير العربية وشرفاء العالم معها

- واستعدادها للدفاع عن نفسها

هذه الامور موجودة فى الجوهر، ولكن ذلك ربما لا يكفى فى هذه الاوقات الصعبة.

تبدو سورية الآن وكأ نها وضعت تحت التصرف الدولى، وهذا اكثر من الانتداب بقليل واقل من الاستعمار بقليل.

إن تقديم السيد ميليس لثلاث كلمات للمجلس الا على للا ستعمار (سورية لا تتعاون) كفيل بإن ينزل بسورية مجمل العقوبات التى لم يأت القرار -1636- على ذكرها صراحة.

بعد هذا التجربة المريرة ، على سورية ان تدرك بأن الثابت الوحيد فى السيا سة هو المتغير؛ وان اى تأخير فى التجاوب والتفاعل مع مطالب –1636- لن يوفر لها هامشا لمناورة وكسبا للوقت او شروطا افضل، بل سيندرج مبا شرة تحت الكلمات الثلاث اعلاه.

سوريا ما تعودت ان تفصل بين الكيان والدولة والسلطة والشعب والدور؛ ولكن من يستهدف سوريا يحرص على الفصل بينها. والمطلوب الغاؤه تحديدا هو الدور، وهو ما تسميه امريكا "السلوك السورى" غير المرغوب به والمطلوب تغييره.

إن ذروة العقلانية السياسية السورية تكمن فى تمرير العاصفة من خلال السير مؤقتا مع عملية الفصل هذه. لنناور بالدور، فالسيا سة كر وفر، ومن يخسر معركة لا يخسر الحرب بالضرورة.

خلال استهلاكها العقلانى والفاعل والخلاق للدقائق المتبقية على تقديم السيد ميليس لتقرير ه، على سورية السلطة والدولة ان تقف وقفة أخلا قية مع الذات وتدعو إلى حالة استنفار تعم الوطن بكل اطيافه وتدعوه إلى حوار ينا قش كل مسألة تواجه سورية الوطن والسلطة والشعب والدور.

حوار يتمخض عن برنامج عمل لحل مشا كل سوريا العا لقة او المعلقة لتخلق الجبهة التى يصعب على ميليس ولجنته ومن فو قهم او راءهم ان يخترقوها.

هذه هى السورية التى لا يغلبها غلاّب. هذه هى السورية التى يريدها كل من يحب سورية.