لم يبق قلم او لسان في منطقة الشرق الاوسط وربما في العالم الا وادلى بدلوه بمسألة اغتيال الحريري. تلك الجريمة التي قابلتها سورية بمزيج من الذهول والالم، وكذلك النية الطيبة، وكانت هذه الاخيرة (النية الطيبة) سقطة سياسية أقل ما يقال عنها انها <سذاجة> وهذه لا مكان لها في السياسة.

سمعت سورية الكثير من الشتائم والكثير من الشائعات والاقاويل، وما كانت لتتصور يوما ان يشار لها ببنان التكالب والحقد بهذه الكثافة المذهلة، وظلت متمسكة بتلك النية الطيبة المستندة الى القاعدة الجنائية التي تقول (في كل جريمة ابحث عن المستفيد) وبتلك النية الطيبة ايضا تصورت واعتقدت ان الاخرين يعرفون بأنها المتضرر الاساس مما حدث، وبالتالي لا معقولية ان يشكك احد بها.

ادارت دمشق ظهرها لكل الشتائم الظالمة وترفعت عن الصغائر كعادتها املا بجلاء الحقيقة. لكن التحقيقات والتحليلات الموجهة بدأت حتى قبل ان يكلف ديتليف ميليس بتحرياته التي بنت على اقاويل واحقاد وغايات مبيتة فاتى تقريره زاخرا بالهفوات والثغرات والتناقضات.

وكان واضحا ان هناك من كان ينتظر بشغف تلقي اي اشارات او تلميحات ليضمنها في ملف (الاتهامات الدولية) وكان ذلك، وخرج التقرير الذي وصل لاسرائيل قبل ان ينتهي حتى تقرير ميلس، او يطلع عليه انان ولبنان وسورية! وفورا نصبت واشنطن نفسها قاضيا وحاكما وشرطيا لتنفيذ حكم على تقرير ضني افتراضي وجزئي ويحتاج لتحقيق مطول قد يستغرق شهورا بل سنين، وهو ليس نهائيا كذلك.

باختصار كان على سورية ان تبدأ تحقيقها بالجريمة من اللحظة الاولى، ففي عالم احادي القطب يتربص بالشرفاء ويستهدف قلب العروبة النابض لا تنفع النوايا ولا الركون الى قوى عربية واقليمية ودولية متسربلة.

نقول هذا الكلام ومجلس الامن الدولي مجتمع اليوم وهو يمرر قرارا امريكيا بريطانيا فرنسيا وسط تجاذبات حادة املتها ضرورة الحفاظ على انسجام المجلس بعد ان قدمت سورية كل التطمينات اللازمة لدعم التحقيق واثر تدخل روسيا والصين والمجموعة العربية للحؤول دون صدور قرار يفرض عقوبات قاسية على دمشق.

وعليه فان هناك العديد من الفرضيات لما سيسفر عنه اجتماع مجلس الامن اوجزها بالتالي: اولا، قد يأتي قرار مجلس الامن مخففا، ولكن مشددا على تعاون سورية مع لجنة التحقيق، وربما سيكون ذلك اهون الشرين، وسيفسح بالمجال بان تقوم اللجنة الخاصة الممنوحة صلاحيات كاملة بعملها، لكن ذلك سينجي سورية موقتا وعليها تكثيف دبلوماسيتها واستغلال سمعتها الدولية المشهودة لايجاد مخارج مشرفة.

ثانيا، قد يأتي القرار كما يريده جون بولتون، نشاز النشاز الاميركي، قاسيا اعتباطيا غائيا مسيسا وليس على قدر الجرم المفترض، وفي هذه الحالة قد تفكر سورية بتهميش لجنتها القضائية باعتبار ان الادانة الاميركية جاهزة مهما عملت او قدمت، وبالتالي دفع دمشق للتعنت على الطريقة العراقية. وهنا لتطمين المنتظرين فان النظام السوري ليس النظام العراقي، والتاريخ يشهد على حنكته ومرونته ومكانته وبشهادة اعتى خصوم سورية الاميركيين، الذين اعترفوا بأن الدولة الوحيدة في المنطقة التي تشتغل بالسياسة كسياسة هي سورية.

اذا امريكا بكل وضوح تستهدف من قرار مجلس الامن ان تغير سورية مسلكها تجاه قضايا محددة لا علاقة لها بجريمة اغتيال الحريري، وهي مساعدة احتلالها للعراق وتسهيل ابتلاع اسرائيل لما تبقى من فلسطين ونسيان لبنان باعتباره محمية فرنسية. ولهذا فسورية امام خيارين لا ثالث لهما المواجهة او الالغاء وابدأ بالثاني:

ان الطلب من دمشق تغيير مسلكها كمن يطلب من طير ان يغير طيرانه اي ان يزحف بدل ان يحلق. فواشنطن تطلب من سورية ان تلغي نفسها بنفسها، وبالاكيد هذا لن يحدث، ولهذا ستبقى المواجهة اقل من الالغاء. فسورية تعلم تماما ان واشنطن لن تقف عند اي حد، حتى لو استجابت دمشق لتسليم اي متهم بدم الحرير، الذي اصبح شماعة يعلق عليه تغيير مصير الشرق الاوسط. بدوره يضع باترك سيل امام الرئيس الاسد خيارين، فهو اما ان يعلن ان سورية بريئة والتقرير سياسي، وليس جنائيا فيعرض بلده لعقوبات وعزلة وانهاء النظام، أو ان يقول ان هناك أخطاء ارتكبت ويبدأ بالتصحيح والتطهير الداخلي. ويميل السيد سيل الى الخيار الثاني، فهذه برأيه فرصة الاسد للتخلص ممن يريد التخلص منهم. وكأن مشكلة الاسد الاساسية هي تحين فرصة لتصفية بعض الجهات او الناس او القوى! وكان السيد سيل يجهل او يتجاهل ان المطلوب من الاسد فعلا هو القيام بدور ذكر النحل اي القيام بالتلقيح ثم التخلص من نفسه وبالتالي التخلص من سورية!

وما يعضد هذا الكلام ان مارتن انديك القريب جدا من صناع القرار في واشنطن لمح لهذا التوجه. وراى بدوره ان امام سورية خيارين ايضا، اما ان تتعاون او ترفض، وبالنسبة له فان التعاون يعني تسليم المشتبهين الى الشرعية الدولية. ولم يعد التعاون برأيه تقديم رواية سورية، فسورية برأيه لم تعد لديها رواية، وعليها ان تتقمص وتحكي الرواية الاميركية. في هذه الحمأة لسورية وشعبها ثوابت لا تستطيع قوة في الارض مهما عظمت ان تزيلها ومكامنها هي التالية: ان هذه الازمة وحدت الشعب السوري خلف قيادته بكافة اطيافه حتى المعارضة، فمن المعروف عن السوريين توحدهم دائما في وجه الظلم والمستعمرين.

سورية لا تستطيع التخلي عن الجولان تحت اي ظرف كان. الشعب السوري لن يقبل ان يلعب دور الشرطي لحماية الاحتلال في العراق في اي مرحلة.

ليس من صلاحيات دمشق ولا قدرتها ان تخلص اسرائيل من الفلسطينيين او حزب الله.

لسورية مكانة خاصة لدى كل عربي وأي اعتداء عليها هو اعتداء على كرامة وشرف الامة من المحيط الى الخليج. الولايات المتحدة تتخبط في العراق وتحصد من الخسائر المادية والبشرية والدولية ما لا يمكن ان تتحمله، وقمة الحكمة عدم نقل الفوضى لسورية، فقوس من المقاومة يمتد من العراق لشواطئ المتوسط هو اكبر من احتمال اي قوة او دولة. هناك غليان في الشارعين السوري والعربي لا يحتاج الا الى اشعال فتيله، وعندها على الاستقرار الاقليمي والدولي كله السلام.

واذا كانت 200 مليار دولار كلفة حرب العراق لم تستطع وقف الارهاب بل زادته اتقادا واتساعا فهل توسيع سياسة (الفوضى البناءة) التي تتبناها واشنطن تجاه سورية ستحقق الاستقرار والشرق الاوسط الديمقراطي المنشود؟