ما يحدث اليوم يعيدنا إلى بداية السبعينات عندما أعاد الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون عام 1974 الحركة السياسية الأمريكية باتجاه دمشق، ورغم الطابع الإعلامي الذي رافق تلك المرحلة لكنهعا في النهاية كانت تعبر عن التحولات القصوى التي عاشتها المنطقة بعد حرب عام 1973. فريتشارد نيكسون المثقل آنذاك بحرب فيتنام وبفضيحة وترغيت فضل تتويج النصر السياسي في الشرق الأوسط بعد وقف المعارك بين العرب وإسرائيل بزيارة شرق أوسطية، كانت بداية لمسار دبلوماسي أمريكي ما بين دمشق وواشنطن اكتسب سمة التأرجح في أغلب الأحيان.

وربما تبدو زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى دمشق تملك نفس الإيقاع، باستثناء أن بيلوسي لا تعبر عن إرادة الرئاسة الأمريكية، لكنها تأتي في ظروف مشابهة، حيث لم تعد الحرب الأمريكية في العراق مجرد أزمة للإدارة الأمريكية، بل هما سياسيا عاما يشبة بتداعياته السياسية ما كان يحدث في فيتنام أوائل السبعينات، في وقت أدت حرب تموز عام 2006 إلى بلورة "بيئة" استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط، توضح أن كسر الإرادات لم يعد ممكنا على طريقة الحرب الاستباقية التي تخوضها الإدارة الأمريكية.

ورغم مساحات التوقعات التي حملتها التحليلات السياسية لكن زيارة بيلوسي إلى دمشق تعبر عن "الأزمة" أكثر منها بداية لحل المسائل العالفة ما بين دمشق وواشنطن، فالمحادثات الأمريكية – السورية بدأت عمليا أمس في بيروت، وعلى الأخص عندما اعلنت بيلوسي من "قريطم" على ضرورة التعامل مع سورية وفق أولوية المسائل التي قدمتها بدء من العراق وانتهاء من لبنان، وهذا التصريح أظهر أن التحرك السياسي الأمريكي خارج طاقم إدارة بوش يتعامل مع:

-  أولا أهمية العامل الإقليمي في مسألة سحب القوات الأمريكية من العراق، فعندما يتم طرح هذا الموضوع في دمشق فهو يعني أن تطويق الأزمة العراقية لا يتم عبر أساليب "كسر الوسائل الدبلوماسية"، وهو ما يتطلب التعامل من جديد مع "الحرب على الإرهاب" بشكل جديد، يتضمن اختراق الحواجز التي وضعتها إدارة بوش على أسس من القطع والعزل السياسي.

-  ثانيا اهمية النظر إلى ازمات الشرق الأوسط على أنها متشابكة، وأن حلولها لا يتم "بحزمة" سياسية كما كانت تقوم به وزير الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس... فرغم وجود امتداد للأزمة ما بين بغداد وغزة، لكن التعامل معها لا يتم وفق رسم التوزان والتنازلات في هذه المسائل، فمحاصرة العنف يمكن ان يتم عبر سياسات إقليمية متكاملة.

هذه الصورة تضع زيارة بيلوسي في موقع جديد، وذلك بغض النظر عن انتقادات الإدارة الأمريكية لها، فالمسألة لا ترتبط بالأداء السياسي السوري بعد جملة من التطورات الإقليمية الحادة، أو حتى في محاولات الديمقراطيين كسر الحواجز التي وضعتها إدارة بوش باتجاه المنطقة، إنما في إعادة صياغة الخطاب السياسي الأمريكي، فالعلاقات السورية الأمريكية قبل إدارة بوش كانت تتضمن اعترافا ضمنيا من الطرفين على ضرورة الحفاظ على مساحة واضحة رغم الاختلافات الحادة احيانا في وجهات النظر. وهذه العلاقة تعرضت على امتداد ثلاثين عاما لاختبارات قاسية، لكنها لم تفقد مجالها الخاص إلا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، حيث بدا واضحا أن الإدارة الأمريكية على وشك خلق تبدلات نوعية في سياستها، وكانت ذربوة الأزمة في احتلال العراق حيث ظهر "التناقض الاستراتيجي" بين البلدين، لكن هذا التبدل اتجه نحو إنتاج الأزمات من جديد، رغم كافة المشاريع السياسية التي ظهرت وتم دعمها بالضغط السياسي والعسكري.

هم التنافس السياسي الأمريكي اليوم متجه نحو الأفق الاستراتيجي للولايات المتحدة، وهو ما يدفع إلى فتح كافة الأبواب التي أغلقتها الحروب الاستباقية للرئيس بوش، لكن هذا الأفق لن يكون بالضرورة متماشيا مع المصالح الأساسية في المنطقة، فالأمن القومي عموما تم تحويره بشكل واضح نتيجة استراتيجية المحافظين الجدد، وهو ما يدفع إلى البحث نحو صياغة هذا المفهوم من جديد وفق المصالح المتجددة للمنطقة، ومحاولة رسم ملامح استراتيجية للتعامل مع ما يمكن أن يحدث في المستقبل. ما يهم اليوم في زيارة بيلوسي هو انطلاقة "خطاب سياسي" أمريكي لم تتضح معالمه بعد، بينما لم يتبدل الخطاب العربي عموما.. ولا حاجة لتأكيد هذا الأمر فيكفينا بيان "القمة العربية" أو التصريحات السياسية التي رافقتها.

مصادر
سورية الغد (دمشق)