لم تحظ قمة عربية بعملية علاقات عامة أنشط وأكثر اتساعاً مما جرى في الترويج المتفائل للقمة العربية الحالية، لذلك لم يتساءل الناس بقدر ما تساءلوا هذه المرة: هل تختلف القمة العربية الحالية عن سابقاتها؟

ولسنا ضد التفاؤل ونكاد لشدة واقعيتنا نرى أي شيء أفضل من لا شيء، وأن القمة أفضل من عدم انعقادها، وأن جامعة رثّة تفترض وتفرض رغم كل شيء اعترافاً رسمياً بالفكرة العربية أفضل من حلها رسمياً، وأن توقعات المواطن العربي وخيباته وشتائمه أفضل من فقدانها، لأنها على الأقل دليل على أنه ما زال يتمسك بإطار عربي. فهو يغضب عليه، ويتوقع منه، ويصاب بالإحباط، لكن هذا يعني اكتراثاً عربياً، وربما حتى أجندات اهتمام معممة تجمع الرأي العام العربي.

ولا شك في أن القمة تعكس وضعاً عربياً ولا تصنعه، وتلخص مجمل مواقف وحالة الدول كأفراد ولا تبلورها ولا تجمعها ولا توحدها. فهي بذاتها، اي كملتقى ومؤتمر، ليست إلا محاولة مستميتة للخروج ببيان مشترك يمثل فناً في تجنب الخلافات أو تدويرها، وصوغ، وتأكيد ما هو قاسم مشترك أدنى فعلاً، وذلك بعد نقاش «على الفاصلة والنقطة». وهو لا يهم من لم يكتبه، سوى من لم يقرأه. وليس بالإمكان فعل الكثير بوثيقة نجمت عن هذا الكم من الحلول الوسط والمساومات، ولذلك يتلخص الانجاز في نصها لا في تنفيذها.

ولا شك في أن المملكة المضيفة قد بذلت جهداً هائلاً يستحق التقدير لإنجاح القمة وليخرج الجميع راضين مسرورين. ومع ذلك كيف نفسر هذا الاهتمام؟ هل هنالك جديد؟ هل يكمن الجديد في تعبير «احتلال غير شرعي» في وصف الاحتلال الأميركي للعراق في كلمة خادم الحرمين الشريفين الافتتاحية؟ هل يحمل التحرك الحالي في القضية الفلسطينية جدية فعلاً؟ هل الخلاف السعودي ـــ الأميركي أو «الزعل السعودي من أميركا، مثلما يسمّى ويروّج له حالياً، هو موقف سياسي أو حتى مزاج فعلي؟

نبدأ بالسؤال الأخير، فهو يشمل كل الأسئلة الأخرى. يسمح التحالف القوي إذا كان قوياً فعلاً، بأخذ مسافة نقدية أحياناً، والتعبير ليس فقط عن العتب بل حتى عن الغضب بمقدار ما يتجاوب حتى مع بعض مشاعر الرأي العام المحلي. وهذا ما يجرى حالياً. وصل العتب السعودي الى حد الغضب فعلاً في أوج غطرسة المحافظين الجدد، وذلك منذ التوريط في العراق وحتى التورط في لبنان إبان العدوان الإسرائيلي مروراً بالضغط الأميركي على الدول العربية الحليفة لإجراء إصلاحات وحملة التحريض الأميركية على المملكة ونمط الحياة والعقيدة السائدة فيها بعد 11 أيلول. هذا ليس جديداً، أما الجديد فهو في قدرة المملكة حالياً على التعبير عن هذا العتب، نتيجة توفر ثقة أكثر بالنفس، لأن المشروع الأميركي بصيغته تلك قد فشل، ولأن الولايات المتحدة لا تملك ان تمنع هذا التعبير عن العتب والغضب الكامن منذ سنين من جانب حلفاء باتت الآن أكثر حاجة اليهم في العراق وفي لبنان وفي محاولتها عزل إيران. وهذا الجهد مفيد في الحالتين، أي في حالة تنفيذ ضربة ضد إيران وفي حالة فرض العقوبات عليها. جاءت هذه الثقة بالنفس بعد فشل سياسة المحافظين الجدد في طرح علامة سؤال على «الوضع القائم»، بما في ذلك في الدول الحليفة. وأخيراً وليس آخراً تحتاج الولايات المتحدة إلى تعاون المملكة وبقية الحلفاء لتحريك «العملية» إياها، وأقصد ما يسمى بعملية السلام، إبان الإعداد للعدوان الأميركي القادم على إيران أو محاولة عزلها، وذلك بطرح تطوير او تسويق او تعديل... ومن يدري، ولم لا تثمر هذه المحاولة الجانبية التي تثير كل هذا الغبار تسوية فعلاً؟ فلا مانع عند أميركا، ولا عند العرب المتحالفين معها في أن «تحل القضية الفلسطينية»، وهي لن تغضب، بل قد يكون من دواعي سرورها «إيجاد حل للقضية الفلسطينية»... ونستطيع أن نضيف كليشيهات أخرى طبعاً، بشرط أن يوافق الفلسطينيون على الشروط الإسرائيلية أو العكس. ويجب أن يحصل هذا من دون أن تضطر الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل، ولا يجوز الندم إذا أدى استحضار الموقف الإسرائيلي المناسب وقبوله إلى صراع فلسطيني مجدداً.

في كل الحالات لا تخسر أميركا ولا حلفاؤها من التعامل مع القضية الفلسطينية كـ«عملية» لا أول لها ولا آخر. فهي تيار متدفق من التفاصيل، وصيرورة في المكان، وركض موضعي، مثل دوران ناعورة تدور حول ذاتها وتسقي غيرها. وقد يفرح خلالها البعض حتى بإنجاز مثل استقبال وزراء فلسطينيين في فرنسا وإيطاليا وغيرها بعد أن افتخر الفلسطينيون ذات يوم بأن حجم تمثيل فلسطين الدبلوماسي أكبر من حجم التمثيل الإسرائيلي. وما دام هنالك إعلام خاضع لقوانين العرض والطلب، او العرض وحده في حالة الإعلام الممول، وما دام هنالك نشرات أخبار يجب أن تملأ فلن يكون هنالك وقت فراغ إخباري يسمح بالملل. ولا بد من وجود من يربح من تحويل القضية الفلسطينية الى قضية علاقات عامة لأزمات أخرى ومشاريع أخرى بعد الحروب وقبلها، ولامتصاص النقمة قبل الأزمات وبعدها.

إن تحويل القضية الفلسطينية الى أداة علاقات عامة لأزمات أخرى وللتغطية على مآس أخرى، يسيء للقضية الفلسطينية ويسيء بواسطتها للقضايا العادلة الأخرى.

لقد وصلت هذه الثرثرة حد سماع إيهود أولمرت يقول مشكوراً انه جاهز ومستعد لمقابلة القادة العرب إذا رغبوا في عرض مبادرة السلام عليه. فهو لا يعرف كيف يستخدم الدليل اليدوي للمبادرة (مانيوال) ولا يستطيع فهمها من دون أن تعرض عليه. وأين يجب ان يتم ذلك؟ في قمة مع كافة القادة العرب المعتدلين. لا أكثر ولا أقل. وهو (لاحظوا التغيير الجذري!!) جاهز للحضور، وإذا عرض عليه العرب التطبيع فسوف يقبل، لكنه سيناقش المبادرة العربية معهم، وسوف يسمعون منه كلاماً طيباً. هكذا تكلم أولمرت.

إذا لم نصل الى أولمرت فسوف تصل المبادرة الى مجلس الامن ليعدلها ويتبناها. قد يكون هذا هو الجديد. وإذا لم يكمن الجديد في القضية الفلسطينية الا تبنياً، تاريخياً برأينا، لمبادرة السلام كموقف يقلب تماماً لاءات الخرطوم الى عكسها من دون مقابل إسرائيلي، وإذا لم يكمن الجديد في الموقف من العراق حيث تختلط التعبئة المذهبية مع ضرورة امتصاص النقمة الجماهيرية والحاجة لأخذ مسافة من الفشل الأميركي، فأين الجديد؟

لا نعرف إذا كان هنالك جديد. وعلى كل حال لا ينبغي البحث عنه في القمة بما هي قمة، بل باعتبارها مناسبة تسهّل عقد لقاءات ثنائية يصعب عقدها حالياً من دون مناسبة تجمع الرؤساء. فالاجتماعات الثنائية بين الدول هي سياسة. والسياسة أكثر أهمية من مؤتمرٍ ببيان ختامي. وعلى هامش القمة جرى اللقاء السوري ـــ السعودي. ولا نعرف إذا أتى بجديد غير تلطيف الأجواء بين البلدين. لكن إذا كان هنالك جديد بمعنى تجاوز سياسة المحاور الى التعاون الثنائي، فامتحانه ليس فلسطين حيث اتفق الجميع على المبادرة العربية، ولا في العراق حيث اتفق الجميع على عدم المبادرة العربية، وطبعاً ليس في الصومال المنسي، ولا في موريتانيا التي نظر الزعماء العرب الى تجربتها الانتخابية شزراً، بل في لبنان.

هنا لبنان، هنا اقفز!! على وزن «هيك رودس هيك سالتا!!». أي هنا يكمن التحدي. هنا ورقة فحص العلاقات العربية ـــ العربية «حامضية أم قاعدية». هنا في هذا البلد تظهر قيمة تدهور او تحسن العلاقات بين الدولتين. إذا كان هنالك من جديد يجب أن يظهر على صعيد الحوار والتفاهم في لبنان. وإذا لم يظهر هنا فلست أعرف ما يعنيه الجديد في هذه القمة. فهي ليست ذات فاعلية. والجديد يكون مرة أخرى في ما تعده أميركا للمنطقة. من هذه الزاوية يظهر صمت هذه القمة وهدوءها كالهدوء الذي يسبق العاصفة، أو ربما صمت الرضى مجتمعاً مع صمت القلق، ومشكّلاً «هدوءاً مشوباً بالحذر»، أو هو عملية تهدئة عربية ـــ عربية لتمرير الوقت ريثما يمر بوش وغيره، وليس هدوءاً فعلياً.