لم تكن التجربة الموريتانية الانتخابية من 11 آذار (مارس) هذا العام وليدة فعل مباشر أو درامي بطولي انقلابي كما يتغنى الديمقراطيون العرب بل نتاج إصلاح بدأ عام 1991. وخلافا لما هو رائج لم تكن الانتخابات الرئاسية الأخيرة أول انتخابات تعددية تشهدها موريتانيا فقد سبقتها انتخابات عام 1992، و1997، و2003. وصحيح أنها كانت انتخابات تعددية شارك فيها أكثر من مرشح، ولكنها لم تكن ديمقراطية، وعبّرت عن عدم قناعة النخب الحاكمة بمبدأ تداول السلطة بعد. وقد استخدمت فيها مصادر الدولة من قوة ورشوة في تقرير مصير الانتخابات. ومنعت حركات منها الحركة الإسلامية من خوض الانتخابات. كانت انتخابات هذا العام 2007 أول انتخابات رئاسية وبرلمانية تعددية وديمقراطية. ولكن سبقتها عملية طويلة من التوقعات الديمقراطية عند الناس والخيبات والآمال والتجربة والخطأ.

لم تكن التجربة الموريتانية تجربة ثورة شعبية، بل كانت هذه عملية إصلاح طويلة ومتعثرة ومضنية تخللتها أكثر من انتخابات وأكثر من انقلاب عسكري قبل الانقلاب الذي أدى إلى التحول الديمقراطي الحاسم، آخرها كان عام 2003. وما ميز الانقلاب العسكري الأخير عن آب (أغسطس) 2005 أنه جاء بعد هذا التعثر باستنتاجات متعلقة بتعميق الإصلاح الجزئي والشكلي الذي لم يمس مصادر السلطة الرئيسية وبقي يراوح عند حرية التعبير، وعند برلمان من دون صلاحيات فعلية، ومتعلقة بالتغلب على عثراته ومفاسده وقيوده وذلك في حوار وطني شامل وغير مسبوق باتساعه عربيا. في هذا الحوار تم الاتفاق عمليا على قواعد اللعبة الديمقراطية ومبادئها الدستورية الرئيسية. فالالتزام بهذه المبادئ من قبل القوى الفاعلة سياسيا والراغبة بالمشاركة السياسية والوصول إلى السلطة بوسائل ديمقراطية هو شرط أساسي لمنع الانقلاب على التجربة الديمقراطية، وذلك من قبل قوى غير ديمقراطية من الدولة ذاتها لم تشارك في الحوار ولا في الإصلاح، أو من قبل المتخوفين من وصول قوى غير ديمقراطية إلى الحكم بوسائل ديمقراطية... أو ما نسيمه بعقدة الجزائر.

أما تجربة السودان، التي شهدت أيضاً تخليا طوعياً من قبل قائد انقلاب عسكري هو الفريق سوار الذهب عن الحكم التفاني الموريتاني نفسه، فلم تسبقها عملية إصلاح طويلة ومتعثرة بل ديكتاتورية جعفر النميري، كما لم يفسح المجال لمثل هذا الحوار الديمقراطي المديد بين القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة لكي ينتهي باتفاق وإجماع على قواعد اللعبة الديمقراطية. وهذه ليست الأسباب الوحيدة لانتهاء تجريه الانتخابات الديمقراطية في السودان إلى انقلاب عسكري إنقاذي كما انتهت، ولكنها أسباب مهمة تضاف إلى ما هو معروف من فوارق بين البلدين والتجربتين والمرحلتين.

نقول كل هذا ونتحفظ عن الجزم والحزم والأحكام المطلقة عند مشارف التجربة الديمقراطية، فنحن نعتبر التجربة الموريتانية غير ناجزه بعد ونحن إذ نتمنى لها النجاح نعتقد انه من المبكر الحكم على نضوجها إلى درجة إعادة إنتاج ذاتها بذاتها. ولكن هذا لا يبرر عدم الاكتراث الذي أبدته قوى سياسية عربية تجاه هذه التجربة. ولكني أود هنا أن الفت النظر إلى عناصر مهمة أخرى في التجربة، تم التعامل معها كأنها نقطة ضعف، وأعتبرها نقطة قوة تجعل من موريتانيا حالة شبه مختبريه لمسألة العلاقة بين الديمقراطية والثقافة العربية الإسلامية. واقصد بالضبط «هامشية» موريتانيا فيما يتعلق بقضايا الأمة الأساسية ومراكزها، التي تجعل من سياسات النفط العالمية وإسرائيل عناصر معيقة في التحول إلى الديمقراطية، وذلك بفعل الدولة الريعية وبنيتها، والإيديولوجيات الملتهبة الطابع التي تنشأ مع الصراع والتدخل الأجنبي، واستخدام الديمقراطية كغطاء للتدخل الأجنبي كما حصل في العراق بمشاركة ودعاية بعض الديمقراطيين العرب ممن أساؤوا لقضية الديمقراطية عربيا إساءة بالغة. بُعد موريتانيا عن هذه القضايا المعيقة للتطور الديمقراطي يبعدها أيضاً عن عوامل التدخل الخارجي بفعل سياسات المحاور العربية والغربية. ورغم تعرض موريتانيا إلى تأثير أميركي نجم عن فقرها وعن ابتعادها لمرحلة ما عن التحالف الفرنسي التقليدي، إلا ان هذا التأثير الأميركي لم يتخذ بعد الطابع العدواني الإملائي الذي يتخذه في المناطق القريبة من إسرائيل ومن سياسات النفط. وعلى كل حال اكتشفت كميات نفط قليلة في موريتانيا لا تقرب هذه الدولة من سياسات النفط الدولية.

تحيد «الهامشية» المدعاة هنا عوامل إزعاج وتعطيل وتعقيد هائلة تعيق التحول الديمقراطي، وتتحول من تهمة إلى إيجابية من إيجابيات الموقع في الحالة العربية. وفي مقابل ذلك فإن عوامل إعاقة أخرى مدعاة تتجلى بكل قوتها في التجربة الموريتانية: دولة فقيرة، غياب طبقة وسطى واسعة، نظام اجتماعي قبلي، فوارق ذات طابع إثني مدعى أو متخيل على الأقل... وغيرها من العوامل المعيقة للتحول الديمقراطي.

في هذه الدولة التي تحولت إلى مركز اهتمامنا سوف تتفاعل الإرادة السياسية وعوامل الوعي عند النخبة السياسية مع معيقات بنيوية وثقافية للديمقراطية في دولة عربية إسلامية. كل هذا في ظروف تحييد نسبي لعوامل الإعاقة الخارجية. ولذلك نقول إن تجربة موريتانيا مهمة ويجب التعامل معها بمنتهى الجدية. فقد أنيط بها أن تثبت عدم صحة الادعاء بوجود تعارض بين الهوية العربية والإسلامية ثقافةً وانتماءً والتحول الديمقراطي، وطبعاً وبموجب المنطق الاستقرائي التحليلي عند كارل بوبر مثلا فإن إثبات خطأ نظرية ما بمثل واحد هو أقوى من إثبات صحتها بألف مثال. فلو فشلت التجربة الموريتانية لا سمح الله فإن هذا لا يثبت صحة الإدعاء بوجود تعارض بين الثقافة العربية الإسلامية وبنية المجتمعات والديمقراطية. غداً قد ينجح غيرها، أما إذا نجحت فإن مثالا واحدا كهذا على خطأ نظرية عدم توافق الثقافة السياسية العربية الإسلامية مع الديمقراطية كاف لنسفها.

كل ديمقراطي عربي معتز بحضارته العربية الإسلامية يتمنى النجاح للتجربة الموريتانية إذا كان للديمقراطية ان تتحول إلى أجندة وطنية وقومية وإسلامية ضد التدخل الأجنبي وضد ربطها بالأجندات الاستعمارية. وأخيراً نسأل سؤالا يبدو غريبا بما يتضمنه من مراجعة وكسر للمسلمات، ولكنه ليس جريئا، لأن الواقع سبقه إلى كسرها، ونقصد تقييم دور الجيش. تم في الدول العربية نزع الشرعية الديمقراطية وحتى التنويرية عن دور الجيش بعد تجربة مريرة لانقلابات عسكرية قامت بتجييش الحياة السياسية وتزييف السياسة بعد انتزاعها من النخب المدينية، وكلنا نعرف ما المقصود من نفور الناس من ممارسة العسكريين في السلطة ومن مرحلة الانقلابات والبيان رقم 1. ولكننا غالبا ما ننسى أن هذه الحالات تتطرق إلى انقلابات عسكرية إيديولوجية الطابع. تبعتها عادة عملية تحزيب للجيش ذاته كجيش وطني يشكل إحدى أهم أدوات بناء الأمة، كما حصل في بداية الحداثة الأوروبية، وكما استخدمته إسرائيل في بناء أمة من أكثر من مئة دولة ولغة. ولكن لدينا تجربتان مهمتان قاد فيهما الجيش انقلابا على الفساد وعلى إعاقة الإصلاح الديمقراطي ثم تخلى عن الحكم لصالح التحول الديمقراطي. كيف لا تدعونا هذه المحاولات إلى إعادة النظر في دور الجيش؟ وقد سبق أن تمتع بصورة إيجابية جدا في الدول المستقلة حديثا كرمز الكبرياء والاستقلال الوطني، وكأداة التحديث الرئيسية في البلد وإطار بناء الأمة ودمج نواحيها وعشائرها في زي رسمي واحد يؤدي التحية لعلم واحد. لقد تفجرت بعض هذه الأوهام مع تطويع الجيش للخلافات السياسية وللنظام وأجندته وانتماءاته وطائفياته وغيرها. ولكن ها نحن أمام وضع يحتاج إلى تفكير مجدد. لدينا حالات لم تكن فيها النخبة السياسية قادرة على إنجاح الإصلاح الديمقراطي أو قيادة البلد إلى استقرار، أما المعارضة فكانت عاجزة أو ضعيفة، أو غير منظمة بالقدر الذي يسمح لها بانتزاع زمام المبادرة في مرحلة الإصلاح وحتى في مراحل الانهيار، كما في نهاية عهد النميري. هنا تدخل الجيش. لم تعدم الدولة الوطنية الوسائل إذاً، ولم يحدث التحول نتيجة لتدخل أجنبي بل قامت قوة وطنية هي الجيش وانتزعت زمام المبادرة من دون أن تستثير مقاومة محلية ضدها، ومن دون أن تغرب الناس عن الديمقراطية والأجندة الديمقراطية كأنها أجندة أجنبية أو استعمارية.

هذه حالات لا تثبت أي نظرية جديدة، ولكنها دعوة لإعادة النظر في دور الجيش، والبرتغال كانت عبرة قبل موريتانيا والسودان. في الكثير من الدول العربية يوالي الجيش النظام وليس الوطن، وقد يلعب دورا اقل ديمقراطية من النظام القائم، وفي بعضها الآخر يحكم الجيش الآن عمليا حكما غير ديمقراطي طبعا. ومع ذلك علينا أن نسأل ليس فقط عن تنحي ضابط عن الحكم كأنه أعجوبة، بل عن دور الجيش. الإعجاب المشدوه بفعل التخلي عن السلطة مهما كان صحيحا يغطي على أسئلة لا يجوز تجنبها مهما كانت تجربة الماضي أليمة. لدينا مثالان نافيان يكفيان لكسر بعض التعميمات حول دور الجيش.