ثمة أدلة وشواهد وقرائن علي ان الولايات المتحدة ليست في صدد شنّ حربٍ علي إيران في المستقبل المنظور. خيار الحرب لم يُلغَ بل جري إرجاؤه إلي حين الفراغ من خيار التفاوض. نتيجةُ المفاوضات ستقرر، بالنسبة لإدارة بوش، عقد تسوية مع طهران أو العودة إلي إعتماد خيار الحرب. بعض الأدلة والقرائن يظهر في تحليل ريفا بهالا في نشرة مؤسسة ستراتفور الأمريكية للدراسات الإستراتيجية الصادرة بتاريخ 2007/6/5. تقول بهالا إن إيران سلّمت سفير أمريكا في بغداد ريان كروكر، خلال مؤتمر شرم الشيخ الذي انعقد بين 5 و 6 ايار (مايو) الماضي، عرضا لشروط إجراء المفاوضات بين الدولتين. لعل هذه الشروط هي ما جري بحثه بين كروكر ونظيره الإيراني السفير حسن كاظمي قمي في الإجتماع الذي ضمهما في بغداد بتاريخ 28/5/2007. العرض الإيراني ممكن تلخيصه في أربع نقاط: إنسحاب أمريكي متدرج مقرون بإعادة تموضع للقوات في قواعد داخل العراق، رفض كل المحاولات الهادفة إلي تقسيم العراق، تعهد من الكتلة السنّية بإستئصال القوي الجهادية المتطرفة، وإعتراف واشنطن بأن لا سبيل الي الفصل بين الملف النووي الإيراني والمفاوضات في شأن العراق. في المقابـل، تتولي إيران قمع الميليشيات الشيعية المسلحة، تعديل قانون إجتثاث البعث وكذلك الدستور العراقي لمضاعفة التمثيل السياسي السنّي، وضع سياسة تسمح بتوزيع عادل لعائدات النفط (خصوصا لمصلحة السنّة)، وإستخدام نفوذها لتهدئة الأزمات في بعض المناطق كلبنان وسورية وفلسطين. يقترب الموقف الإيراني، حسب التحليل في نشرة ستراتفور ، من موقف الولايات المتحدة، كما يأتلف مع توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون. الأهم من ذلك كله انه يتكامل مع نصيحة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسينجر الذي دعا إدارة بوش كما الأكثرية الديمقراطية في الكونغرس في مقالته الشهيرة دروس فيتنام في صحيفـة لوس انجلس تايمز 2007/5/31 إلي وجوب إستخلاص تسوية سياسية من بين وجهات النظر المتضاربة والمتداخلة للأحزاب العراقية وجيران العراق وغيرها من الدول المتضررة، تقوم علي أساس إقتناع بأن كارثة العراق ممكن، من دون تسوية، أن تفيض وتغمر كل من وما هو حولها. ليس ثمة ما يشير إلي ان المفاوضات غير العلنية الجارية بين أمريكا وإيران تتجه إلي تسوية مرضية. غير أن تواصل المفاوضات يجمّد خيار الحرب بين الدولتين او يستبعده إلي حين الفراغ منها. في هذه الأثناء يواصل كل من الطرفين القيام بكل ما من شأنه دعم مركزه السياسي والتفاوضي. علي هذا الصعيد، يبدو ان إدارة بوش أخذت بنصيحة كيسينجر في إدارة الصراع مع إيران علي غرار ما فعله الرئيس ريتشارد نيكسون، بتوصية من كيسينجر نفسه، في إدارة الصراع مع فيتنام الشمالية. فقد قام الأسطول البحري الأمريكي آنذاك بتلغيم مداخل جميع الموانئ الفيتنامية الشمالية من دون ان يلقي أية مقاومة سياسية أو عسكرية من حليفي هانوي الأساسيين: الصين والاتحاد السوفياتي. إزاء هذا التطور الاستراتيجي الوازن اضطرت فيتنام الشمالية الي تلطيف موقفها والموافقة تاليا علي تسـوية متوازنة وسلمية للصراع. صحيح ان التسوية سقطت بعدئذٍ، لكن كسينجر عزا ذلك الي الإنقسام الحاد الذي ضرب المجتمع السياسي الأمريكي نتيجة فوز معارضين ألداء لنيكسون في الإنتخابات وقيام الكونغرس بوقف تمويل القوات الأمريكية والجيش الفيتنامي الجنوبي الموالي لواشنطن وبالتالي إستغلال فيتنام الشمالية للواقع المستجد وقيامها بهجوم واسع ما كان في وسع الجيش الفيتنامي صده من دون عون أمريكي بات معدوما. ما تسعي إليه إدارة بوش حاليا هو الضغط علي إيران بالعقوبات الاقتصادية والعزلة المالية المصرفية وصولا، ربما، إلي الحصار البحري الكامل والحصار الجوي والبري شبه الكاملين. ذلك كله مع محاولة إقناع المعارضة الديمقراطية في الكونغرس بسلوكها طريق التفاوض مع إيران حول العراق من اجل تفادي إنقسام في المجتمع السياسي قد يؤدي إلي نتائج وخيمة كالتي حدثت العام 1974 في شأن فيتنام. الحصار البحري، بما فيه تلغيم مداخل الموانئ الإيرانية، قادرة أمريكا علي فرضه بواسطة اسطولها المتواجد في بحر العرب والخليج العربي ـ الفارسي. والحصار الجوي يمكن ان تنفذه بأعمال قرصنة جوية يتولاها طيرانها الحربي المنتشر في قواعد برية وحاملات طائرات في المنطقة. إيران لن تقف، بطبيعة الحال، مكتوفة الأيدي إزاء هذه التحركات العدائية، وهي تؤكد انها قادرة علي مواجهتها وإحباطها ليس علي مستوي المنطقة فحسب بل علي مدي العالم كله. مع ذلك يبقي من المهم إستشراف ما يمكن ان تقدم عليه أمريكا في إطار مواجهتها لإيران، وخصوصا ما يتعلق منها بالدول المجاورة للعراق، ولاسيما سورية. من المعلوم ان إدارة بوش ما زالت تحمّل سورية مسؤولية تسلل الكثير من عناصر الإسلام السلفي إلي العراق. ولا شك في انها ستتخذ بحقها تدابير سلبية إذا ما أخفقت في التوصل مع إيران إلي تسويةٍ في شأن العراق. إذ يبدو أفق هذه التسوية مسدوداً لغاية الوقت الحاضر، فإنه يُخشي من ان تدخل إسرائيل علي خط المواجهة لإقناع إدارة بوش، إن لم تكن مقتنعة أصلا، بإخراج سورية عنوة من دائرة تحالفها الإستراتيجي مع إيران لتحقيق غرضين في آن: إضعاف إيران، وتعطيل فعالية المقاومة اللبنانية (حزب الله) إن لم يكن محاولة القضاء عليها. ثمة تطورات تشير إلي ان إسرائيل تسير بإتجاه صدام محسوب مع سورية. إلي المناورات العسكرية التي أجرتها في الجولان السوري المحتل، والمناورات الإختبارية الأكثر خطورة التي أجرتها في النقب المحتل، والتدريبات المشتركة التي أجراها الطيارون الإسرائيليون مع رفاقهم الأمريكيين، فإن ايهود اولمرت بدّل فجأة موقفه المعارض للتفاوض مع سورية واخذ يتظاهر بأنه مستعد لمفاوضتها من اجل الإنسحاب من الجولان شرط ان تكون مستعدة للتخلي عن تحالفها مع إيران ودعمها لمنظمات المقاومة الإسلامية الفلسطينية المقيمة قياداتها في دمشق. هذا التبدل الفجائي في موقف اولمرت من سورية فسره مراقبون ومحللون عرب وأجانب بانه غطاء لتطمين القيادة السورية عشية ضربة عسكرية إسرائيلية لها تكون إدارة بوش قد أجازتها. اكتسب هذا التفسير صدقية وازنة عندما نشر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق شلومو غازيت مقالة في صحيفة معاريف إنتقد فيها اولمرت وخطواته حول التفاوض مع سورية واصفاً إياها بأنها خطرة ومستغربة وقد تفسر بأنها عملية خداع للتستر علي هجوم عسكري تخطط له إسرائيل . القيادة السورية العليا لا تفوتها، بطبيعة الحال، هذه المناورات. غير انه يقتضي بحث ما يمكن ان يتناوله هجوم إسرائيل المحتمل وموقف إيران منه. يُخشي ان تكون لحوادث مخيم نهر البارد ومخيم عين الحلوة والتفجيرات التي وقعت في مناطق مختلفة من الشمال والجبل والعاصمة في لبنان صلة بما تعدّ له إسرائيل ضد لبنان وسورية. حتي لو كانت هذه الحوادث والتفجيرات من صنع جهة إسلامية سلفية، فإن ذلك لا يمنع إسرائيل من استغلالها علي نحو يخدم أغراضها العدوانية. من هنا تنبع ضرورة استراتيجية جوهرها تطويق هذه الحوادث والتفجيرات ومنع تطورها إلي حربٍ داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أو بيـن هذه المخيمات وقوي الأمن اللبنانية. ذلك انه يُخشي من ان تنتهز إسرائيل، ومن ورائها أمريكا، حال الإضطرابات والفوضي المتفاقمة لتنفيذ هجومها العسكري المحتمل ضد سورية ولبنان علي خطين: ضربة جوية وصاروخية صاعقة للقاعدة الصناعية السورية (بما فيها منشآت تصنيع الصواريخ) والبني التحتية بقصد إعادة سورية إلي الوراء خمسا او عشر سنوات، ومحاولة الوصول إلي طريق بيروت دمشق عبر وادي البقاع الجنوبي في لبنان بهدف تهديد منطقة جنوب سورية، والإعلان لاحقا عن عدم استعدادها للإنسحاب إلاّ بعد نشر قوات دولية، بقرار من مجلس الأمن، علي طول الحدود بين البلدين بدعوي وقف تدفق السلاح إلي المنظمات الإرهابية في لبنان. إن هجوما إسرائيليا محتملاً هذه أهدافه وعواقبه يفرض علي إيران وسورية والمقاومة اللبنانية سؤالا بالغ الخطورة : ما الموقف منه، وكيف يقتضي ردعه؟ لا يخفي علي القيادة الإيرانية ان إسرائيل تعتزم ضرب منشآتها النووية، عاجلاً أو آجلاً، بدعوي منعها من امتلاك أسلحة تدمير شامل وذلك بتدمير برنامجها النووي أو علي الأقل، إلحاق الأذي به بطريقة تؤخر تنفيذه لأعوام ، كما صرح اولمرت في نيسان (ابريل) الماضي. من هنا تتضح أهمية حماية سورية لتبقي من خلال تحالفها مع إيران قوة رادعة لإسرائيل. كما لا يخفي علي القيادة السورية ان ضرب المقاومة اللبنانية يؤدي أيضاً إلي تعطيلها كقوة رادعة للكيان الصهيوني. لقد سبق لإيران ان هددت، بلسان الرئيس محمود احمدي نجاد، خلال حرب إسرائيل العدوانية علي لبنان صيفَ العام الماضي، بأنها لن تتواني عن ضرب الكيان الصهيوني إذا ما سوّل لنفسه مهاجمة سورية. كما هددت سورية إسرائيل خلال الحرب نفسها بالتدخل (إلي جانب المقاومة) إذا ما اقتربت القوات الإسرائيلية الغازية من الحدود السورية، أي اذا ما تقدمت إلي وادي البقاع الجنوبي. إذ تتعرض سورية ولبنان إلي هجوم عسكري إسرائيلي محتمل مجاز من أمريكا، كما في الصيف الماضي، فإن الثالوث المناهض للمشروع الإمبراطوري الأمريكي ـ الصهيوني مُطالب، مرة أخري، بأن يحمي قوته الردعية المتبادلة ويحافظ عليها بإعلان كلٍ من إيران وسورية والمقاومة اللبنانية إستعداده لنصرة بعضهم بعضا سياسيا وعسكريا إذا ما تعرض احدهم إلي هجوم إسرائيلي أو امريكي. النصرة هنا تعني خوض الحرب بلا تردد لأن ضرب أيّ من الأطراف الثلاثة وإخراجه من معادلة الصراع يعني إضعاف الطرفين الآخرين وتعريضهما إلي مصير مماثل، عاجلاً أو آجلاً. ولعل الإعلان المسبق عن هذا الموقف الاستراتيجي القاطع من شأنه ردع العدو وحمله علي صرف النظر عن حربٍ تكبده من الخسائر الفادحة ما هو، بالتأكيد، بغني عنها.

مصادر
القدس العربي (المملكة المتحدة)