صارت القمة العربية موعداً مع الخوف: الخوف على العلاقات العربية من التفجر، والخوف على العلاقات الداخلية من أن تنزلق إلى مهاوي الحرب الأهلية. كان الأصل في التوافق على عقدها دورياً، وفي موعد ثابت هو الأسبوع الأخير من آذار، وبالتناوب بين دول الجامعة العربية، وفق الأبجدية، أن تكون «سنوية»، للإفادة من تلاقي الملوك والرؤساء في حسم المعلن من الخلافات العربية، أو تصفية أسباب الخلاف، وتجديد التضامن ولو على قاعدة «سيروا بخطى أضعفكم». وعلى امتداد سنوات كانت فلسطين تكتب القمة بدمائها. وبدل أن توقف القمة الاجتياح الإسرائيلي لما تبقى من فلسطين، الأرض، بالمستعمرات، تضاعف عدد هذه المستعمرات ووحوش المستوطنين فيها، ثم جاء جدار الفصل العنصري ليلتهم الكثير مما تبقى... أما «السلطة» الفلسطينية فقد انشرخت، وتعاظم التخلي العربي عنها فبات شعبها يعيش على الصدقات الدولية، بينما إسرائيل تقرّر مَن يبقى ومَن يُقتل من الشعب كما من «السلطة» بالغارات على مدار الساعة على غزة، والمطاردات الدموية اليومية للمجاهدين في الضفة، بغض النظر عن انتماءاتهم» الحزبية. بعد فلسطين، ومع الاحتلال الأميركي للعراق، صارت القمة تُكتب بمزيج من دماء الفلسطينيين والعراقيين. ... وها هو لبنان يهم بأن يباشر مشاركته في كتابة مقررات القمة العربية بدماء أبنائه، الذين أخذهم التدخل الدولي بالقرار الأميركي المعلن، وفي ظل ذلك التداخل بين المسؤولية العربية التي تعبّر عن ذاتها بنصرة طرف ضد طرف، أو بالتخلي المطلق بذريعة عدم رغبة معظم «الدول» في الانحياز إلى هذا المعسكر أو ذاك، بقواه الداخلية أو بقوة الإسناد الخارجي لأطرافه. لقد تفاقمت الخصومات العربية خطورة، فصارت سبباً لتأجيج الخلاف الداخلي في لبنان. وكان الأمل في القمة ضئيلاً، لكن اللبنانيين راهنوا عليها، بوصفها المناسبة التي قد تشهد تسوية للخصومات يفيد منها «الضحايا» بالترتيب الأبجدي: لبنان، فلسطين، العراق، ثم الآخرون كالسودان إلخ. لكن الواضح أن الشرخ قد اتسع، خلال الشهرين الماضيين، فصارت الإدارة الأميركية (وإسرائيل) قادرة على التصرف الحر والتحريض العلني، بل باتت تقرّر بالنيابة عن معظم «القادة العرب»، وعن قسم كبير من القوى السياسية اللبنانية. أخطر ما استجد في الفترة الأخيرة هو الخلاف بين سوريا والسعودية والذي اتخذ من لبنان عنواناً عريضاً، لكن المؤكد أن خلف هذا العنوان أسباباً عديدة، لأن «التفاصيل اللبنانية» وحدها لا تكفي لتفسير الحدة في هذا الخلاف، وصعوبة التوسط بين طرفيه، كما توحي المؤشرات المعلنة، في حين أن أسبابه الفعلية مضمرة بعد، ولعلها تنتظر توقيتاً محدداً لتفجيرها، إن لم تنجح الوساطات في منع هذا التفجير... وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بالقمة ذاتها. في السابق، كان المواطن العربي ينفر من القمم لأنه يرى في كل منها محطة لتنازلات جديدة... ثم صار ينظر إلى مقرراتها، بعدما انفضح المستور، على أنها إملاءات أميركية على «القادة العرب»، لمصلحة إسرائيل والهيمنة الأميركية التي عنوانها احتلال العراق ثم التدخل الأميركي المباشر والذي تجاوز بفظاظته كل الحدود، وفي لبنان بالذات. صارت التنازلات تتركز، أساساً، في الموضوع الفلسطيني، وتتدرّج نزولاً من قمة بيروت إلى قمة الرياض «للسلام العربي»، وصولاً إلى الاجتماع تحت الرعاية الأميركية المباشرة في أنابوليس، حيث أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش انتصاره التاريخي ممثلاً بإقرار «إسرائيل دولة لليهود» بحضور ممثلين لمختلف الدول العربية، مما يبشّر بطرد من تبقى من فلسطينيي 1948 من أرضهم وبيوتهم لتخلص إسرائيل (فلسطين) صافية لليهود والمستهودين المستقدمين من أربع رياح الأرض. ما يعنينا في لبنان أن الخلاف حول القمة، قد بدأ يلقي ظله الثقيل على الوضع المضطرب بل المنذر بالانفجار داخلياً. وبالتأكيد فإن تفاقم هذا الخلاف بين سوريا والسعودية من شأنه أن ينسف أية محاولة للوفاق في لبنان، وأن يفتح أبواب الجحيم إذا ما تُرجم بتحريك «الشارع» المنقسم على ذاته أصلاً، وبعناوين غير سياسية، بل هي نقيض السياسة بالمطلق. إن القمة، الآن، همّ لبناني أكثر مما كانت في أي يوم: فانعقادها يوحي بانفراج قد يمهّد لحل لهذه المعضلة التي تختزل تدخلات دول العالم أجمع، والإدارة الأميركية أساساً (ومعها إسرائيل دائماً).. أما عدم انعقادها فأشبه بالكابوس الذي يثقل على صدور اللبنانيين، لأنهم يعرفون أنهم سيكونون في رأس قائمة ضحاياه، متقدمين على إخوانهم الضحايا من أبناء فلسطين والعراق وسائر الدول العربية المهددة بالاندثار أو الانشطار بالحروب الأهلية!

مصادر
السفير (لبنان)