مهما حاولنا إسناد موقف موسكو الأخير إلى عوامل استراتيجية، إلا أن الكثير من القراءات ماتزال تبحث في اتجاهات الالية السياسية لروسية عموما عبر تاريخها المعاصر، فالمسألة تبدو من خلال الرصد الدائم او التشكيك بالموقف الروسي مجرد استقراء دائم للحالات التاريخية سواء في ظل روسية القيصرية أو زمن الاتحاد السوفيتي أو ضمن الشكل الحالي الذي ظهر بعد عام 1990. وبالتأكيد فإن التأثير العسكري المباشر على التوازن الدولي من قبل روسيا يخضع لاعتبارات مختلفة تماما عن تلك التي تحكم الولايات المتحدة كدولة قارية، فالاهتمام الروسي بالتدخل العسكري المباشر يخضع لاعتبار جغرافي، والعمق الروسي هو في النهاية محشور بدول ومجتمعات تاريخية، وربما بمراجعة تاريخية سريعة توضح ان روسيا لم تكن محصنة عن الاختراق والاجتياح العسكري، الأمر الذي رسم مذهبها العسكري في مواجهة أخطار تتصاعد بشكل سريع في حال انهيار "حزامها الاستراتيجي" الذي يتركز في شقها الأوروبي. أما الولايات المتحدة فهي وبعد ظهور عدد من المذاهب الاستراتيجية ابتداء من العزلة (مبادئ منرو) وانتهاء بالمذاهب التي ظهرت بعد الحرب العالمية من خلال فوكس كونر ومارشال وحتى أيزنهاور بشأن القيادة وإدارة الحرب. ومن هذه الزاوية فإن التدخل العسكري المباشر للولايات المتحدة ونشر القواعد كان يعبر عن طبيعة استراتيجية تتبع مذهبا اقتصاديا عالميا، ورغم أن السوفييت كان يملكون مثل هذه العقائد، لكنهم كانوا يسعون بداية لمنع كوارث الحروب ضد شعبهم بعد ويلات الاجتيحات المتكرر لبلادهم. هذه الطبيعة ماتزال قائمة حتى الآن، ومسألة التعامل مع الوضع السوري هو أيضا يخضع لنفس القواعد الاستراتيجية السابقة، فروسيا اليوم تتعامل مع النظام الدولي بالدرجة الأولى، ومسألة "سورية" هي التفصيل المعقد الذي تريد حله من خلال قواعد لا تتجاوز نوعية تفكيرها بامنها القومي، وهو ما يعني أن مسائل التدخل العسكري سيتبعها أمرين أساسيين: الأول – انهيار التشكيل السياسي الذي يؤمن خطا دفاعيا بالنسبة لروسيا، فعملية قلب الأنظمة السياسية من خلال الأمم المتحدة مسلسل سيستمر حتى على الدول المجاور لروسية، وتجربة جورجيا قبل سنوات كانت المعيار الذي يمكن أن النظر إليه في مسائل "قلب أنظمة الحكم"، ولكن هل تتورط روسية بالتدخل المباشر في سورية؟ الثاني – إن الجواب على التساؤل السابق سيظهر من خلال نقطة أساسية هي إعطاء أدوار عسكرية وسيطة للدول الأوروبية كما حدث في ليبيا، وهو امر مقلق بالنسبة لروسيا التي ترى تصاعد في الأدوار العسكرية لأوروبا يمكن أن تمتد حتى تصل لحدودها الغربية، لكنها في نفس الوقت لا ترى فائدة من عمليات التدخل في جغرافية لا تملك اتصال مباشر معها مثل جورجيا على سبيل المثال. المعضلة اليوم أن موسكو تريد تغير المعادلة في مسألة الأزمات الدولية، مع التقليل قدر الإمكان من إمكانية التدخل العسكري المباشر، فهي توضح اليوم نوعية التعامل الدولي الذي يسمح بتسرب الإرهاب إلى سورية، وهي تعرف أن مثل هذا الأمر هو تدخل عسكري بأساليب جديدة، إلا انها تنتقل باتجاه رسم التسوية على مساحة أوسع تصل ربما لحدود الملف النووي الإيراني أو ازمة كوريا، وهي بذلك تحاول إيضا أنها مع عدم رغبتها في التدخل العسكري المباشر في سورية، لكنها قادرة على إثارة أزمات في مناطق أخرى. الموقف الروسي لا يحتاج إلى التشكيك أو قياس رهاناته على مسألة دعم نظام او التخلي عنه، فروسيا منظومة قد تفلح وقد تفشل لكنها في النهاية "منظومة" تتعامل اليوم مع "سلة أزمات" وليس فقط الموضوع السوري.