- Cet article est disponible en Français sur reseauvoltaire.net
هذا المقال متوفر بالفرنسية على شبكة فولتير

JPEG - 22.5 كيلوبايت
الرئيس الايراني محمد خاتمي وعلى اليمين مرشد الثورة الاسلامية خامنئي

تواجه إيران منذ بداية العام الحالي أزمة دستورية حادة تهدد بانهيار التوازن السياسي الحاصل الذي تمتع به جمهورية الثورة الإسلامية منذ 1979.والنظام الحاكم اليوم وبعد الانقلاب على حكم الشاه من طرف آيةالله الخميني .هذا النظام يقوم على تقاسم السلطات بين ما يمكن أن نسميهم المتدينين واللائكيين في بلد يعترف بالإسلام الشيعي كدين رسمي للدولة .والحرب العراقية الايرانية كانت بالفعل أزمة عززت من عرى الوحدة الوطنية على الأقل، ومكنت من من تقاسم المهام والوظائف سعيا لتحقيق التوازن الاجتماعي ، ورغبة في توفير مكان لكل فرد من المجتمع مهما كان هذا الفرد.وكثير من الوظائف الادارية هي اليوم مشغولة وبشكل نظامي من قبل ثلاثة أشخاص :الأول يمثل التيار المتدين والذي يستمد شرعيته من التحولات الاجتماعية وأبعادها الدينية .الثاني يمثل قدامى الحرب العراقية الايرانية الذي دفعوا الدم مقابل حفظ أمن البلد .والثالث يمثل الطبقة البورجوازية المتوسطة والعليا والتي لها اليد الطولى في التاثير على الاقتصاد وفتح الحدود أمام ادماج البلاد في التجارة الدولية.

هذا التقاسم بين السلطات التي تبدو منفصلة ، هي تتداخل وتتقاطع على مستوى القمة بين قطبين يتجاذبان على رأس السلطة بالدولة ،ولا يصل بهما التجاذب الى حد القطيعة التامة .رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب يتعين عليه التنسيق مع حرس الدستور ، وهو معين من طرف المرشد الروحي للثورة الاسلامية،وهويسهر على حفظ التوازن الاجتماعي والنظام العام ويبدو واضحا احترام السلطات لمجالات اختصاصها ، الا أنها تتدخل أحيانا غالبا محدثة شللا اجتماعيا وسياسيا كبيرا يقف في وجه تطلعات أجيال شابة تطمح في رقي اجتماعي ينأى عن الانسداد السياسي والاداري الذي تتسب فيه بيروقراطية ايران .

المسؤول الديني الأول على رأس سلم الحكم في نظام الآيات ،ينتخب على أساس خصوصياته وايجابياته السلوكية والشخصية التي يتمتع بها، ويعين هذا الأخير بعدها الأعضاء المتدينون الستة الذين يشكلون مجلس حرس الدستور، والأعضاء اللائكيين الستة الآخرين يعينون من من قبل البرلمان .المرشد الأعلى باعتباره طرفا معنيا بالحكم ،هو الذي يعين تشكيلة الهيئات القضائية في البلاد ، والتي يتوجب أن تكون هيئات دينية ، وهو في نفس الوقت قائد القوات المسلحة .مجلس حرس الدستور مهمته التصديق على شرعية وكفاءة المترشحين لانتخابات البرلمان .

رئيس الجمهورية ينتخب عن طريق الاقتراع العام لعهدة مدنها 04 سنوات بأغلبية أصوات مطلقة ، ومن مهامه مراقبة ملفات السلطة التنفيذية ، تنصيب مجلس الوزراء،تنظيم توجهات الحكومة وتحديد سياستها التي ستمر بعدها بمصادقة البرلمان عليها أو رفضها .البرلمان أو " المجلس " بالمصطلح الايراني يتكون من 290 عضوا منتخبينمباشرة من الشعب لعهدة مدتها 04 سنوات.يتزداد مسألة تداخل السلطات تعقيدا عندما يجب على كل قانون مصدق عليه من قبل البرلمان أن يحظى بموافقة مجلس حرس الدستور .الأعضاء الستة اللائكيون مسؤولون على القضايا المتعلقة بشرعية ودستورية المواد المقترحة ، بينما يهتم الأعضاء الستة المتدينون بمراعاة مدى موافقة المواد المقترحة لأحكام الشريعة الاسلامية ، والجمه بين هؤلاء وهؤلاء مايعتبر ميزة كبيرة للحكم في ايران .

وفي حالة التصادم بين هذه المؤسسات يتم شلل الادارة ،ولايمكن لسلطة ما أن تفرض توجهها على الأخرى ، ولفك هذا الاختلاف ، تم أنشاء شلطة ثالثة من قبل الامام آية الله الخميني عام 1988 تسمى " مجلس تشخيص المصلحة العليا للنظام " ويتكون هذا المجلس من عناصر كل من السلطات التنفيذية ،التشريعية ،القضائية ، أفراد من مجلس حرس الدستور وأفراد معينين من قبل المرشد الأعلى لعهدة مدتها03 سنوات . زيادة على ذلك ،أعضاء الحكومة ورؤساء اللجان البرلمانية يشاركون في بعض المناسبات التي تمس ميدان عملهم،وعميا مجلس تشخيص مصلحة النظام غالبا مايظهرقلقه في مسالة تحقيق التوازنات ،مايجعله تدخله يعمق من هوة الخلاف بدل حل المشاكل . الرئيس الحالي محمد خاتمي يدعم التوجه نحو الانفتاح الاقتصادي والحريات الفردية من جهة ،ومن جهة أخرى يسعى الى التأثير في التوازنات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة ،ويوصف خاتمي على أنه زعيم " الاصلاحيين" من قبل الملاحظين الغربيين ،ومنذ توليه الحكم في أوت1997،فهو يمثل معارضة معتبرة لمجلس حرس الدستور . واعادة انتخاب خاتمي بسهولة في جوان 2001 لم تغير ألبتة من الوضع في شيء في بلد ترجو فيه شريحة شبانية واسعة الاصلاح ،وصرف تام لجهاز الحكم الذي يحول عرقلة كل بادرة تطور .

هنا بالغرب ، يجب اليوم تصحيح تلك الأحكام المسبقة التي نأخذها عن ايران ،وعلى العكس تلك النظرة المدعومة من قبل واشنطن ،ايران تكون قد حققت خطوات معتبرة في مجال الديمقراطية منذ عام 1979، رغم أن الفعل الديني الواضح على الحياة السياسية ،قد يوحي للبعض وكأننا في "جمهورية ثيوقراطية" حسب المفهوم المعتمد من طرف لجنة السناتور الفرنسية للشؤون الاقتصادية والتخطيط.  [1]

وفي مرحلة من مراحل الثورة الاسلامية ،والتي يمكن وصفهابالأقل راديكالية، يمكن القول بأنه لم يبقى شيء من ذاك النظام القمعي الذي عرفته الثورة الإسلامية في بداياتها حب دراسة " تيرور ريزولوشن" المعدة من طرف كل من رويسيد ،ولويس أنطوان؟؟سان جوست .1973 .الصورة التقليدية النمطية لحكم إيراني شمولي كما وصفته وسائل الإعلام الغربية والأوروبية،لا علاقة لها بوضعية الجمهورية اليوم خصوصا مع قدوم الرئيس خاتمي إلى الحكم،حيث عمل على ترقية حرية التعبير،وفي نفس الوقت تحركت الحياةالاجتماعيةكثيرا،وشهد العمل الثقافي متنفساكبيرا.  [2]ومن المهم بطبيعة الحال أن نتطرق إلى مسالة مكانة المرأة ووضعيتها بإيران،ففي الوقت الذي صورت فيه وسائل الإعلام الغربية صورة ما نسميه " الجنس الضعيف" المعتمد في الذاكرة الجماعية لدى العرب والمسلمين ،بقابل هذا نجد الحقيقة غير ذلك تماما،فإيران اليوم وقد خرجت من مرحلة ما بعد الصراع مع الجارة العراق ،وتناقص عدد الرجل على الساحة اجتماعية والسياسية الإيرانية ،العامل الذي دفع بالمرأة إلى الخروج،وتوليها مناصب المسؤولية في دولاب الإدارة الإيرانية.ورغم كونهن إلى حد الآن من طرف القانون المدني،إلا أنهن يمثلن حوالي %35 من طلبة الجامعات مثلا،و%40 من هذه المسبة تشتغل بتخصصات الطب.ويتزايد هذا العدد مقارنة بالرجال عاما بعد عام .ونذكر على سبيل المثال لا الحصر،السيدة "مسومة ابتكار" نائبة رئيس الجمهورية الإسلامية الحالي،و السيدة "الياء قليع" إحدى البرلمانيات الإصلاحيات المنتخبات.والمثير للدهشة أيضا أن نجد عدد كبير من النساء يشغلن مناصب إدارية لصالح الشخصيات الدينية،وهن في بعض الحالات مستشارات فاعلات لهاته الشخصيات،ويؤخذ بمداخلاتهن في كثير من المسائل المهمة.

يجب أن نذكر أيضا أننا إلى اليوم نشهد غيابا كبيرا للحريات،والأمر راجع في نظرنا ليس فقط لسياسة قمعية تقليدية معروفة،ولكن أيضا لغلبة الشعور الجماعي الكبير بالحرمان والاضطهاد، والذي يعزز من هذه الحالة.خصوصا عندما نجد أنفسنا أمام مجتمع ساكن معاق ومشلول ،ولا يفتح أفاقا جديدة للحركة الاجتماعية المرجوة من فئات شبانية عريضة.

في هذا الجو بالذات،ومع عام 2004 منع حوالي أكثر من نصف المرشحين للانتخابات التشريعية في فبراير.يذكر أن الترشحات تخضع لمصادقة مجلس حرس الدستور،والذي يتعين عليه فحص كفاءة كل مرشح وكذا سيرته الذاتية خصوصا تجاه التزامه باحترام ثوابت الإسلام والمصلحة الوطنية،كشرط مهم لا يمكن بدون ممارسة أي نشاط سياسي ما.

وهم حوالي 3500 من المرشحين الذين أقصيت ملفات ترشحهم،من طرف مجلس حرس الدستور،وأغلبهم ممن نسميهم بالإصلاحيين المقربين من الرئيس خاتمي،و80 منهم هم سلفا أعضاء بالبرلمان الإيراني.وقد شمل قرار الإقصاء هذا في جوهره السيد رضا خاتمي شقيق الريس محمد خاتمي،والذي يعتبر رئيس"جبهة المشاركة" حزي سياسي محسوب على التيار الإصلاحي.وقد خلف هذا القرار أزمة سياسية حادة نتج عنها شغل مبنى البرلمان من طرف المقصيين من الترشيح،وبدت على إثره مؤشرات الاستقالة الجماعية لبعض وزراء الحكومة التي تمثل معارضة معتبرة.وقد وصف وزير الداخلية والمكلف بتنظيم الانتخابات هذا القرار بغير القانوني مضيفا أنه "قرارات الإقصاء التي لا تستند إلى شرعية قانون الانتخابات،لا مكان لها هنا ولا محل لتطبيقها".وقد صرح من جهته نائب الرئيس محمد علي البتاحي بأنه "بعض معايير إقصاء المرشحين مناف للديمقراطية،والثورة الاسلاميةفي1979 تأسست على الديمقراطية،وعمليات إقصاء من هذا النوع لا تشكل سوى مزيد من التراجع عن المكتسبات الديمقراطية الإسلامية".فهواذن عملية نفخ على النار تمت مع أنصار التيار المحافظ من أجل لفظ هذا القرار،والسماح لعملية الانتخابات أن تأخذ مجراها الطبيعي،وقد اتضح ذلك مع التراجع الجزئي عن قرار الإقصاء من طرف مجلس حرس الدستور،الأمر الذي لا يمكن أن نفسره على أنه انتصار لطرف على حساب طرف،بل على أساس أنه كان محاولة لاغتصاب شرعية الحكم لم يكتب لها النجاح.

انه من الصعب تحديد مرامي ودوافع مجلس حرس الدستور من هذا القرار،غير أن تصريحات وزير الداخلية كان لها الدعم الجماعي الكافي من أجل إعادة مناقشة عدة مفاهيم وأفكار عززت من ديناميكية المجتمع ورغبته في التوصل إلى حل للأزمة الناشئة،وتوفير نسبة تصويت انتخاب كبيرة تمكن من مكتسبات جديدة للتيار الإصلاحي.من جانب آخر رأى كثير من الإصلاحيين في هذه الأزمة على رأس جهاز الدولة فرصة إعادة مراجعة لقوانين الدولة وتحديد صلاحيات أجهزة الحكم على أسس أخرى،وذلك عن طريق دفع كل القوى السياسية الفاعلة إلى طرح المفاهيم التي يقوم عليها الحكم على طاولة النقاش.وهذه الاستراتيجية في الأساس ترمي الى جذب الطبقات الشعبية إلى مزيد مشاركة تتدخل فيها الإرادة الشعبية مباشرة [3] .وحسب الإصلاحيين،الرئيس خاتمي يجب أن يستفيد من الوضعية القائمة ليتزعم الحركة الشعبية،بدل قبول شروط التيار المحافظ،خصوصا وأن المجتمع الدولي يطمح الى مساندة خاتمي في توجهاته الإصلاحية.

وصحيح أن مسؤولية الرئيس الإيراني محمد خاتمي تحظى بقبول على الصعيد الدولي والخارجي، بما في ذلك واشنطن،حيث تتداعى بوادر انفتاح اقتصادي على إيران إذا ما عملت هذه الأخيرة على إرضاء واشنطن.وتدور بعض الإشاعات عن محاولة الإدارة الأمريكية استغلال بعض الحركات الاحتجاجية الشبابية الإيرانية ضد حكم طهران.غير أن هذه الإشاعات بقى ضعيفة أمام التماسك الوطني الذي يعيشه الشعب الايرانين كيف لا والإيرانيون لم ينسوا أنه الغرب،وأمريكا خصوصا من كان وراء دعم صدام حسين أثناء حرب الجارتين العراق وإيران.ولذا يمكننا القول أن أي محاولة للتدخل في الشأن الإيراني،تبدو للإيرانيين أنها محاولة مشبوهة للتدخل الخارجي والذي تقف فيه دولة جورج بوش من تصنف إيران بوجودها على " محور الشر"في خطابه عن الولايات المتحدة في 29 جانفي 2002.

المؤسسات الإيرانية أبدت عجزها عن تسيير حكمها بنفسها،وقد يكون ذلك بسبب تأثير ضغط اجتماعي هائل.وبعد مرحلة ثورة ثم حرب،واللتان سببتا انخفاض القدرة الشرائية الإيرانية بمعدل النصف خلال العشرين عاما المنصرمة،يتحرك الاقتصاد الإيراني بتؤدة ويتعامل النظام بحذر مع ممتلكاته البترولية،ويسير في تشجيع الاستثمارات الأجنبية في سياسة اقتصادية أكثر انفتاحا على المستثمر الخارجي دون أن تفقد الدولة حصتها الكبرى فيها.وخصوصا وأن %65 من المجتمع هم دون ال25 سنة،وشرائح الشباب مزيدا من الحيرة والقلق على مستقبلها،وتكاد تكون شبه يائسة من مساعي التغيير التي تنادي بها السلطات،ما يفسر غياب كثير من هذه الفئات في الانتخابات،والتي جانب منها فضل السقوط في دوامة تعاطي المخدرات(مليوني مستهلك نسبة لا تعادل في الغرب).

وأخيرا نقول أن المسئولين الحاليين قادرين على تجاوز خلافاتهم،بالسماح لأجيال شابة جديدة لا تتلخص في مفاهيم الثورة والحروب والتي يمكنها اليوم في تقديرنا أن تتحمل المسؤولية في تسيير البلاد.

ترجمه خصيصا لشبكة فولتير: رامي جميع الحقوق محفوظة 2004©

[1] هذه اللجنة أرسلت مبعوثين إلى إيران في مهمة ثلاثة أيام،من 15 إلى 18 أبريل2003 .وعند عودتهم،أعضاء البعثة حررواتقريراعن الوضعية السياسية والاجتماعية بالبلاد،انظرمقالنا

[2] انظر تقرير لجنة الشؤون الاقتصادية والتخطيط

[3] انظر المرجع التالي « Iran’s Election Crisis Flanks the One in Iraq », By Muriel Mirak-Weissbach, EIR International, 6 February 2004.