لفت انتباهي ما جاء في بيان الحزب الشيوعي اللبناني عقب اغتيال أمينه العام السابق جورج حاوي من تحميل مسؤولية الاغتيال إلى “إسرائيل والقوى الطائفية”. وبعد أيام قليلة من هذا البيان أشار الرئيس اللبناني إميل لحود إلى أنّ “إسرائيل وقوى أصولية” هي وراء ظاهرة الاغتيالات المتكرّرة في لبنان.

طبعاً ليست هي المرّة الأولى التي تشير فيها أطراف لبنانية “أو عربية” لإسرائيل حين تحدث اغتيالات أو فتن أمنية هنا أو هناك، لكن الملفت للانتباه أنّ هذه التصريحات اللبنانية عن مسؤولية إسرائيل هي نادرة منذ 14 شباط/فبراير الماضي حينما اغتيل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري فاتجهت أصابع الاتهام المحليّة والخارجية إلى «الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية»، وهي الأجهزة التي أصبحت “المتَّهم الوحيد” فيما بعد عند حدوث أيّ تفجير أو اغتيال على الأراضي اللبنانية.

صحيح أنّ هناك قوى وأجهزة أمنية عديدة تتحرّك في لبنان لخدمة غايات سياسية خاصّة، لكن كان من غير الإنصاف على مدى الأشهر الأربعة الماضية تجاهل العامل الإسرائيلي في التأزيم الأمني والسياسي اللبناني.

وما يحصل في لبنان ينطبق على الحال العربي عموماً الآن، دون أن يعني ذلك استبعاداً لأطراف محلية أو عربية أو دولية في تغذية التأزم، لكن التوقّف عند الدور الإسرائيلي له أهمّية قصوى في منطقة تشهد تحوّلات كبيرة وإعادة رسم جديد لخرائطها السياسية والجغرافية.

هل يعقل مثلاً تناسي ما قامت به إسرائيل في سنوات عمرها الأولى منذ خمسين عاماً من تفجير مؤسسات أميركية وبريطانية في القاهرة ثمّ انكشاف ذلك لاحقاً فيما عُرف باسم فضيحة "لافون"، حيث استهدفت إسرائيل تحريض الأميركيين والبريطانيين على مصر آنذاك؟ وهل يجوز تناسي ظاهرة كوهين العميل الإسرائيلي الذي استطاع الوصول إلى مواقع رسمية سوريّة مسؤولة في مطلع الستينات من القرن الماضي؟

وهل نسي اللبنانيون والفلسطينيون الأعداد الكبيرة من العملاء الإسرائيليين الذين كشفوا عن أنفسهم مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبينهم من كان مرافقاً لياسر عرفات في مقرّه الأمني في بيروت، وآخر كان معروفاً باسم "أبو الريش" يتسكّع في شوارع بيروت ويتظاهر بأنّه إنسان مشرّد ومختل عقلياً فإذا به عقيد إسرائيلي قام بترشيد القوات الإسرائيلية في بيروت حينما دخلتها في أيلول/سبتمبر 1982، وكان دليلها لمنازل ومكاتب قيادات فلسطينية وسوريّة في منطقة رأس بيروت؟! وآخرون من العملاء الذين تبرّأت منهم أحزاب لبنانية ومنظمات فلسطينية وجرى نشر أسمائهم في الصحف اللبنانية أواخر العام 1982.

إذا كانت إسرائيل وأجهزتها الأمنية تتسلّل إلى أهمّ المواقع السياسية والأمنية في دول كبرى ومنها الحليف الأكبر لها أميركا، فلِمَ لا تفعل ذلك مع أعدائها الجيران لها؟ فرغم كلّ العلاقات الخاصّة يين أميركا وإسرائيل، فإنّ واشنطن ترفض الإفراج عن جيمس بولارد الأميركي اليهودي الذي يقضي عقوبة السجن منذ مطلع التسعينات بتهمة التجسّس لإسرائيل، وقد انضمّ إليه مؤخّراً عملاء جدد كانوا يعملون لصالح إسرائيل في مواقع أمنية أميركية، ومن خلال علاقتهم مع منظمة “الإيباك”، اللوبي الإسرائيلي المعروف بواشنطن.

ثمّ ماذا عن الدكتور ماركس وولف الذي كان مسؤولاً عن جهاز الاستخبارات العسكرية في ألمانيا الشرقية الشيوعية وقد لجأ إلى إسرائيل بعد سقوط حائط برلين وانهيار النظام الشيوعي فيها، وهو الذي كان يشرف على العلاقات الخاصّة مع منظمات وأحزاب في دول العالم الثالث ومنها المنطقة العربية؟! وهل كان باستطاعة إسرائيل أن تغتال خليل الوزير في تونس وكمال ناصر وكمال عدوان في بيروت وغيرهم من القيادات الفلسطينية في أماكن أخرى لو لم يكن لديها العديد من العملاء والمرشدين في هذه الدول؟

من السذاجة طبعاً تجاهل كلّ ذلك واعتبار أنّ إسرائيل هي طرف محايد ومراقب لما يحدث في جوارها العربي المعادي لها، بل سيكون من السخف الاعتقاد بأنّ إسرائيل قبلت بروح رياضية هزيمتها العسكرية في لبنان وبأنّها سحبت قواتها العسكرية من أراضيه عام 2000 دون أيّة نيّة لديها بالتدخّل بعد ذلك في الشؤون اللبنانية، وبأنّها التزمت قبل سوريا بخمس سنوات بسحب قواتها وكلّ عناصر أجهزتها المخابراتية وقرّرت عدم التدخّل مطلقاً في لبنان وتطوّراته!!!

أهي غباوة أم تغابٍ سياسيّ ما يسود الآن في الأوساط اللبنانية، بتوجيه الاتّهام السياسي وجهة واحدة لا ترى إلا الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية في كلّ ما يحدث من تفجير أمني واغتيال سياسي، ولا تفكّر للحظة أنّ إجبار إسرائيل للمرّة الأولى في تاريخها على الانسحاب من أرض احتلتها، بلا أيّ مفاوضات أو اتفاق أو شروط، لا يمكن أن يمرّ بلا عقاب ولو بعد حين؟! أوَلم يعطِ هذا الانسحاب المذلّ لإسرائيل وجيشها وقادتها الذي جرى بفعل المقاومة المسلّحة للاحتلال نموذجاً يمكن الاحتذاء به في الأراضي الفلسطينية المحتلّة ممّا ساعد على انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000، وبعد أشهر قليلة من انتصار مقاومة لبنان على المحتلّ الإسرائيلي؟!. إنّ إسرائيل تدرك مجموعة العناصر التي ساهمت في انتصار المقاومة اللبنانية، وأنّ المزيج المركّب لهذه العناصر هو الذي صنع الانتصار وليس فقط وجود المقاومين وسلاحهم وإعدادهم الجيّد والمنظّم. فالمقاومة اللبنانية انتصرت لأنّها قامت على دعم معظم الشعب اللبناني لها بمختلف مناطقه وطوائفه .. المقاومة اللبنانية نجحت لأنّها كانت مدعومة من السلطة اللبنانية وجيشها، ومن الحكومة السورية وقواتها التي كانت موجودة في لبنان. المقاومة اللبنانية هزمت إسرائيل لأنّها لم تنجرّ إلى معارك فئوية لبنانية ولم تجعل نفسها ميليشيا تحارب ميليشيات أخرى.

إذن، الانتقام الإسرائيلي من لبنان والمقاومة يكون بتحطيم هذا المزيج المركّب كلّه ومعاقبة كلّ عنصر فيه على "جريمة" الانتصار على إسرائيل عام 2000. ما يحدث الآن في لبنان هو ابتعاد خطوة خطوة عن تحالف العناصر الإيجابية التي صنعت انتصار عام 2000. ومسيرة التراجع هذه ما زالت في منتصف الطريق، لكن ختامها سيكون حتماً حين يختلف اللبنانيون على سلاح المقاومة وحينما تتحوّل هي إلى ميليشيا بالاضطرار وليس بالاختيار.

إنّ إسرائيل، بلا شكّ، أحسنت توظيف الأخطاء الرسمية السورية واللبنانية، كما أحسنت توظيف الظروف الدولية والمشاريع الأميركية في المنطقة، لكن لإسرائيل مشاريعها الخاصّة التي تتجاوز أجندة واشنطن أو باريس أو غيرهما من عرب وأجانب، فإسرائيل لم ولن تتراجع عن مشروعها التفكيكي للبلاد العربية على أسس طائفية ومذهبية وإثنية. إسرائيل فشلت في اجتياحها الأوّل للبنان عام 1978 عندما فشل مشروعها في إقامة "دولة جنوب لبنان الحر" بقيادة عميلها الضابط في الجيش اللبناني سعد حداد. ولم ينهَر الكيان اللبناني آنذاك. لكنّ ذلك كان حافزاً لمشروع أكبر باحتلال أوّل عاصمة عربية “بيروت” وحوالي ثلثي الأراضي اللبنانية عام 1982 وبارتكاب مجازر في مخيّمات فلسطينية وبإثارة فتنة حرب الجبل عام 1983، واستخدام كل أنواع التدمير لمقوّمات الحياة اللبنانية إلى حين انتصار المقاومة عام 2000. فلِمَ هذا الاستبعاد الآن لأيِّ دورٍ إسرائيلي فيما يحدث في لبنان سياسياً وأمنياً، وبما يحدث من مواقف خارجية تجاه لبنان ومحيطه العربي؟

لِم تجاهُل ما أورده بيان الحزب الشيوعي عقب اغتيال حاوي وما ورد على لسان الرئيس إميل لحود عن دور إسرائيل والقوى الطائفية وأصوليين؟ ألا تتحرّك هذه القوى كلّها في العراق الآن لمزيج من مشاريع إسرائيلية وأميركية وإقليمية تتقاطع أهدافها الآن إلا أنّ كلاً منها يحتفظ بغايات نهائية خاصّة؟

إنّ تحميل “نظرية المؤامرة” وحدها مسؤولية المصائب والأزمات هي مقولة خاطئة وجاهلة ومُضلّلة، فكلّ ما يحدث من “مؤامرات خارجية” يقوم فعلاً على استغلال وتوظيف خطايا داخلية، لكن هو “قصر نظر” أيضاً لدى من يستبعد دور ومصالح “الخارج” في منطقة تشهد أهمّ التحوّلات السياسية والأمنية والجغرافية منذ منتصف القرن العشرين.

هناك في الرسالات السماوية حكمة هامّة من سيرة آدم عليه السلام، فإغواء الشيطان له ولحوّاء كان "مؤامرة خارجية"، لكن ذلك لم يشفع لهما بألا يكون عقاب وتحمّل مسؤولية. اللبنانيون والعرب هم على أرض الرسالات السماوية ولم يتعلّموا هذا الدرس الهام بعد رغم وجود شياطين صغرى وكبرى داخلهم ومن حولهم!