عاود الرئيس المكلف فؤاد السنيورة الاتصال بمؤسس "التيار الوطني الحر" وزعيمه النائب ميشال عون، لاقناعه بالموافقة على تمثيل كتلته النيابية المؤلفة من 21 نائبا في الحكومة التي يسعى جاهدا لتأليفها منذ مساء يوم الجمعة الاسبق وكان عون اعتذر عن الاشتراك في الحكومة العتيدة لاسباب عدة قد يكون أبرزها رفض كتلة "تيار المستقبل" التخلي عن وزارة العدل لأحد نوابه والاجواء المكهربة بينه وبين الزعيم الدرزي الابرز النائب وليد جنبلاط الذي اتهمه العونيون بالعمل الدؤوب لاقصاء تيارهم عن الحكومة ولمنع قيام علاقة تعاون وتفاهم بين "مستقبل" الحريري وتيارهم الوطني.

ما هي اسباب معاودة الاتصال المشار اليها اعلاه علما ان الرئيس المكلف السنيورة اعلن للاعلام بعد تلقيه مباشرة اعتذار التيار الوطني من زعيمه موحيا بذلك انه قبل الاعتذار وسيتابع مساعيه لتأليف الحكومة انطلاقا منه؟ لا شك في ان اصرار رئيس الجمهورية العماد اميل لحود على حكومة وفاقية وعلى تمثيل حكومي متوازن يعكس التوازنات التي افرزتها الانتخابات النيابية الاخيرة، وهو اصرار اعلنه صراحة قبل لقائه الاول بالسنيورة منذ تكليفه واثناء ذلك اللقاء، كان احد اسباب اعادة النظر بالاعتذار "الوطني". ذلك ان الاصرار الرئاسي المشار اليه يمكن ان يترجم رفضا للتشكيلة الحكومية التي يعرضها عليه الرئيس المكلف، أي تشكيلة، والرفض يمكن ان يتخذ شكل الامتناع عن اصدار مرسوم تأليف الحكومة. وذلك يمكن ان يمر في ظل موقف شعبي وتحديدا مسيحي يؤمن ببرنامج عون ويرى ان وجوده في الحكومة يساعد على تنفيذه وخصوصا بعدما اعلن الحريري وعون في اعقاب اجتماع بينهما انهما متفقان برامجيا على نحو 95 في المئة من الموضوعات. ويمكن ان يمر ايضا في ظل نص دستوري يقول ان تأليف الحكومة يتم بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف الامر الذي يدفع الكثيرين الى اعتبار الاول شريكا اساسيا له الحق في التسمية او في الاعتراض وليس مجرد موقع على مرسوم التأليف. ولا شك ايضا في ان دعوة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير ثم مجلس الاساقفة والمطارنة الموارنة الى تأليف حكومة اتحادية (اتحاد وطني) كان لها الاثر الواضح في معاودة الاتصال بين الرئيس المكلف والعماد عون. ذلك ان غياب الاخير عن الحكومة يفقدها الطابع "الاتحادي" الوفاقي هذا. كما انه يكشف ضعف التمثيل المسيحي فيها رغم ان اركان هذا التمثيل لم يقصر معظمهم في العمل لاستعادة لبنان سيادته واستقلاله وقراره الحر ولكن من داخل البلاد. ومن شأن ذلك كله افقاد حركة 14 آذار الماضي زخمها بل انهاؤها ومن شأنه ايضا "فرفطة" المعارضة "الوطنية" التي تكونت للمرة الاولى منذ سنوات طويلة بل عقود وتاليا تبديد المنجزات التي حصلت حتى الآن. وهذا امر لا يتساهل فيه "تيار المستقبل" وزعيمه النائب سعد الدين الحريري وممثل الاثنين في رئاسة الحكومة فؤاد السنيورة. لكن لا شك ايضا في وجود اسباب اخرى لمعاودة اتصال الرئيس المكلف بالعماد عون بغية جعله وكتلته النيابية جزءا بل ركنا في الحكومة العتيدة. وتتعلق هذه الاسباب بالمهمات السياسية لهذه الحكومة وليس فقط بالجانب الاصلاحي. وهذه المهمات كثيرة لكن ابرزها اثنتان. الاولى الانطلاق وسريعا في حوار جدي وصادق ومتكافىء مع سوريا بغية تنظيم علاقة لبنان معها بل بغية تصحيحها وخصوصا بعدما حولت سوريا العلاقة المميزة التي اقرها اتفاق الطائف وقبلها اللبنانيون علاقة سيطرة على كل المرافق وعلاقة ادارة مباشرة للوضع اللبناني بكل تفاصيله. وحوار كهذا ضروري لانه يساعد الحكومة العتيدة في اشاعة استقرار مهزوز او ربما غائب وفي التغلب على عقبات معروفة كثيرة ولانه يسهل حل مشكلات اقتصادية بدأ لبنان يعانيها نتيجة اجراءات سورية معينة على حدودها مع لبنان ولانه يطمئن سوريا الى ان مشكلة لبنان واللبنانيين معها انتهت بخروجها العسكري والامني والى ان مصلحة لبنان تفرض عليه الحرص على امن سوريا وعدم المساهمة مباشرة او مداورة في زعزعته عبر الانخراط في أي مشروع خارجي اقليميا كان او دوليا. اما المهمة الثانية فهي طريقة التعاطي مع القرار الدولي 1559 الذي نفذ اخر بنوده (خروج سوريا من لبنان) والذي لا تزال بنوده الاخرى تنتظر التنفيذ وخصوصا التي منها تتعلق بنزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. ومعروف ان لبنان الرسمي قبل هذا القرار في السابق مع اعتراض على مضمونه او بعض مضمونه انطلاقا من اقتناع بحاجته الى المجتمع الدولي وبعدم صوابية الانتقائية في هذا المجال أي قبول ما يعجبه في قرارات مجلس الامن ورفض ما لا يعجبه منها. ومعروف ايضا ان نزع الاسلحة الذي ينص عليه يثير اعتراضات داخلية معظمها اسلامي وتحديدا شيعي. علما ان كل السلطات اللبنانية اعتبرت انه على دوليته شأن داخلي يمكن حله بل يجب حله بواسطة حوار داخلي يشمل الجميع بما في ذلك الجهة المستهدفة به. انطلاقا من ذلك لا بد من القول ان الخط الرافض لنزع السلاح وان بالحوار سيكون اقوى داخل حكومة يكون عون وتياره خارجها. ويمكن القول ايضا ان وجوده فيها يجعل الحوار حول هذه "المشكلة" لا مفر منه. ذلك ان العماد عون وبهدوء مطلق ومن دون عدائية لاحد وخصوصا لـ"حزب الله" وللشيعة عموما ومع تفهم كل ظروفهما لا يزال متمسكا بحل لمشكلة سلاح المقاومة والفلسطينيين ولا يبدو مستعدا للمساومة على ذلك وان كلفه الأمر الابتعاد عن الحكومة بخلاف جهات اخرى تناقضت في مواقفها من هذا الموضوع اكثر من مرة في الاشهر الماضية، اذ كانت تارة مع القرار 1559 داعية المعنيين به الى الحكمة والتعقل لان العالم تغير والى العودة الى اتفاق الهدنة لعام 1949. وكانت طورا مع مواجهته ولا تزال معتبرة انها عندما وقفت معه كانت خارجة عن طورها لاسباب معينة. وهو يدعو المعترضين على ذلك باعتباره نتيجة وصاية دولية او مؤامرة دولية الى تناسي القرار 1559 والى احترام اتفاق الطائف الذي ينص على بسط لبنان الرسمي سيادته على الجنوب وعلى العودة الى اتفاق الهدنة. هل يعكس تمسك عون بحل مشكلة سلاح حزب الله وغيره ايحاء دوليا او موقفا ذاتيا؟ ربما يعكس ايحاء دوليا ولكنه قطعا يعكس في الوقت نفسه موقفا ذاتيا يجعله منسجما مع نفسه. طبعا قد تتألف الحكومة بالعماد عون او من دونه. لكن ذلك يجب الا يبعد الحكومة وكل المشتركين فيها وكل اركان الدولة عن متابعة الاوضاع الدولية وخصوصا بعد التفجيرات الارهابية التي تعرضت لها لندن قبل يومين. فهذه التفجيرات أعطت من جديد شرعية دولية جامعة لمحاربة الارهاب رغم اختلاف مفهوم اللبنانيين والعرب له عن مفهوم المجتمع الدولي له وهذه الشرعية ستنعكس تشدداً على لبنان رغم معرفة المجتمع المذكور ان الجهة التي قامت بالتفجيرات او التي يشتبه في انها قامت بها ليست على ود او ربما على اتصال بـ"حزب الله" ومقاومته.

مصادر
النهار (لبنان)