يؤمن رئيس مجلس النواب نبيه بري بان تقدماً على طريق حل الازمة المعقدة في لبنان والتي تكاد ان تنهيه وطناً لا يمكن ان يتحقق في ظل استمرار الازمة شبه الصامتة لكن الحادة بين المملكة العربية السعودية وسوريا بشار الاسد. وهو يعبّر عن هذا الايمان امام من يلتقي من مسؤولين سعوديين، في مقدمهم السفير في بيروت عبد العزيز خوجة وكذلك امام جهات دولية معظمها اوروبي وخصوصاً بعدما بدأ بعضها يقوم بدور الوساطة بين اللبنانيين ولكن من موقع اراده متوازناً بين فريقي الصراع 8 آذار و14 آذار. طبعاً يمتنع رئيس السلطة الاشتراعية عن الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، سواء المحاولات التي اجريت اكثر من مرة لاصلاح ذات البين بين الشقيقين العريقين سابقاً واللدودين حالياً سوريا والسعودية، او اسباب فشلها والجهة المسؤولة عن ذلك. ويمتنع عن الامر نفسه السفير خوجة واي مسؤول آخر في المملكة. لكن ذلك لا يلغي حقيقة اساسية هي ان المحاولات المذكورة ستستمر الى ان تلقى النجاح او الى ان تقع في فشل "مطنطن" لا يمكن بعده توقع قيام علاقات سعودية – سورية جيدة أو على الأقل سليمة ما لم تحصل تغييرات جدية بل جوهرية عندهما او عند إحداهما. ما هي شروط نجاح هذه المحاولات؟ شروطها كثيرة ابرزها استعداد كل من سوريا والمملكة العربية السعودية لأخذ المصالح الاستراتيجية والحيوية للأخرى في الاعتبار واستعداد كل منهما في الوقت نفسه لتقديم مقابل مرض الى الاخرى – كي لا نقول تنازلاً – تسهيلا لتسوية: أولاً للعلاقات الثنائية بين الرياض ودمشق، وثانياً للأزمة اللبنانية المحتدمة والمتفاقمة. هذا الاستعداد لا يبدو متوافراً لدى سوريا استناداً الى مصادر عربية واسعة الاطلاع ومتابعة عن قرب للعلاقات السورية – السعودية منذ كانت في عزها وحتى بعد تراجعها الرهيب قبل سنوات قليلة. وقد ظهر ذلك في وضوح أخيرا في رد فعل القيادة السياسية السورية العليا على اقتراح سعودي قد يكون قدم اليها على نحو غير مباشر أي بواسطة صديق مشترك او وسيط، وعرض عليها العمل الجاد لاخراجها من مأزق المحكمة ذات الطابع الدولي التي اقرها مجلس الأمن لمحاكمة المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري والشهداء الآخرين، والتي يبدو ان تأليفها ومباشرتها العمل قد وُضعا على نار حامية، في مقابل قيامها بكل ما يلزم لتمكين لبنان من انهاء ازمته واعادة بناء دولته واستعادته سيادته وحريته واستقلاله والحصول على اعتراف سوري نهائي به دولة سيدة ومستقلة. ورد الفعل المذكور كان عدم التجاوب. وقد استنتجت المصادر المذكورة اعلاه من ذلك ان سوريا لا تزال تعتبر نفسها في موقع قوة يجنبها التنازل ويمكّنها من تحقيق مكاسب وخصوصاً في لبنان وان السعودية على انشغالاتها العربية والاسلامية الكثيرة لا تزال غير مستعدة، وستبقى غير مستعدة ما دامت قادرة، لاعادة اطلاق يد سوريا في لبنان وخصوصاً بعدما كان لها الفضل في جعل لبنان ساحة للجمهورية الاسلامية الايرانية وتمكين الاخيرة من ترتيب وضعها في قلب العالم العربي الامر الذي يشكل خطراً جدياً ليس على لبنان فحسب بل على العرب عموماً وفي مقدمهم دول الخليج وخصوصاً السعودية. ماذا يفعل الرئيس نبيه بري في انتظار توصل الرياض ودمشق الى تفاهم اذا تأكد له ان توصلهما الى تفاهم كهذا مستحيل؟ لن يفعل شيئاً يؤذي سوريا او يحرجها، يقول عارفوه، لأنه اساساً حليف لها ومن زمان، ولأن دورها في صعوده السياسي كان كبيراً جداً. ولأنه لا يستطيع تحمّل كلفة التخلي عنها او تحديها أو على الأقل التناقض معها او الاختلاف. وهو لن يفعل شيئاً يؤذي ايران الاسلامية او يحرجها، أولاً لأن "حزب الله" الممسك فعلياً بالطائفة الشيعية رغم "تنوعها" الرسمي لا يتساهل حيال ذلك ويملك من المؤهلات ما يمكّنه من وضع حد له. وثانياً لأن سوريا حليفة ايران هذه لن تسمح بمواقف تهددها في لبنان الا اذا كانت هي وراءها. وفي حال كهذه لن يستغرب أحد تحرك بري في اتجاه أو في آخر. وثالثاً لأن الاحساس بالكيانية الشيعية المحمية حالياً من ايران الاسلامية وسوريا الأسد والبعث يمنعه من التفريط بمصالح طائفته "وشعبها" ويعني ذلك ان الرئيس بري قد لا يستطيع تنفيذ ما يقوله من أنه سيدعو الى جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية في 25 ايلول المقبل أو في أي موعد آخر اذا كان حلفاؤه الداخليون والاقليميون يرفضون أمراً كهذا. والجهات السياسية ولا سيما منها تلك التي في موقع المعارضة له ولـ8 آذار الذي ينتمي اليه والتي تكيل له المديح يومياً باعتبار انه التزم الدعوة الى جلسة انتخاب، إما انها لا تعرف ماذا يجري وإما انها تريد ان تورطه أكثر بحيث يصبح عاجزاً عن العودة عن تعهد توجيه الدعوة المذكورة. وكي لا يبدو المقصود من هذا الكلام "الحرتقة" على الرئيس بري، والامر ليس كذلك، لا بد من الاشارة الى انه وحلفاءه وفي مقدمهم قائد قوى المعارضة كلها "حزب الله" يرفضون انتخاب رئيس جمهورية قبل تأليف حكومة وحدة وطنية. ولا بد من الاشارة ايضاً الى ان فريق 14 آذار يرفض ذلك ويصر على تزامن بين الأمرين او على الاقل على ضمانات لا يمكن العودة عنها. وفي اجواء كهذه هل يدعو بري الى جلسة انتخاب؟ طبعاً لا. لذلك ربما على رئيس مجلس النواب ان يكون اكثر صراحة مع اللبنانيين واكثر صراحة مع نفسه كي لا نقول أكثر. فالذين يعرفونه يعرفون ان في رأسه الكثير من الاعتراضات على حلفائه من محليين واقليميين كما على اخصامه السياسيين كي لا نقول أعداءه. لكنه يكتفي بالجهر بالاعتراضات على الاخصام ويترك الاخرى في قلبه. علماً ان ذلك مؤذ صحياً.

مصادر
النهار (لبنان)