قبل فترة وجيزة عُمّمت على المتعاطين بالشأن العام في لبنان رواية تقول إن المحقق الدولي ديتليف ميليس بات يملك <<الحقيقة>>. أي أنه بات حائزاً المعطيات التفصيلية التي توضح مَن حرّض على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومَن أشرف، ومَن نفّذ. انتهى التحقيق، لذلك فإن زيارة دمشق نافلة. وكانت الحجة القوية في أيدي مروّجي هذه الرواية، ومصدّقيها على الأرجح، أنهم، هم، مذهولون من دقتها، وأن بعض التفاصيل الغائبة عنهم هي، في الحقيقة، مغيّبة بقرار واع من ميليس.

قبل هذا التعميم، ولكن خصوصاً بعده، راج أن زلزالاً سيقع، وأن رؤوساً ستسقط، وأن رؤساء سيتغيّرون، وأن أبواب المجهول سوف تُفتح. ولاحظنا أن لبنان دخل في مرحلة الاستعداد للرئيس البديل، وأن النقاش يتناول اسم الشخص ومواصفاته وآلية اختياره.

وقبل أيام بات ممكناً الاستماع إلى دقات الساعة تعلن العد العكسي، ومعها، إلى دقات قلوب اللبنانيين. وعوملت زيارة إميل لحود إلى نيويورك كأنها الحشرجة الأخيرة. وتأجلت التعيينات الأمنية في انتظار الأجواء الجديدة الملائمة والقريبة.

لا يُصدَّق مَن يزعم أنه نجا من تأثيرات هذا الجو. وحتى الذين كانوا يعتقدون أنهم يملكون <<حقيقة>> أخرى انتقلوا إلى موقف دفاعي موحين أن رياح الرواية المعمّمة ستغلب رياحهم بغض النظر عن أي شيء. لقد كان التلميح إلى ثغرة ما بمثابة خدش للحسّ السليم. لا نعرف كم من اللبنانيين تابع المجريات باهتمام وقلق وبعيون مفتوحة، وكم تابع بضجر هو الضجر الخاص بمن يعرف النهاية ويستعجلها. ما نعرفه هو أن رواية واحدة احتلت الحيز العام وباتت طاغية، سائدة، مسيطرة. حصل ذلك برغم من انطباع عام لدى البعض بأنها قد تكون رواية بوليسية رديئة. رديئة أم لا، تبقى المساءلة ممنوعة حتى لو أن هناك ما يشير إلى أن المرتكب يقوم، فضلاً عن إجرامه، بإلحاق <<بهدلة>> بالإرهاب.

في غضون ذلك كنا نشهد، في الواقع، نوعين من الإرهاب. الأول جسدي ومادي يتمثل في التفجيرات ومحاولات الاغتيال. أما الثاني فيتمثل في اندفاعة قمعية <<ناعمة>> وتشهيرية لا تتردد في ممارسة <<الإعدام المعنوي>>. الإرهاب الأول يعاقب أي اعتراض. الإرهاب الثاني يعامل المعارض بصفته منشقاً. الإرهاب الأول، البشع والدنيء، يرسل ضحاياه إلى المستشفيات. الإرهاب الثاني يتصرف كمن يحضّر المصحات العقلية، والمعتقلات، لمخالفيه. إن وزير العدل شارل رزق هو، مثلاً، نموذج لضحايا النوع الثاني، في حين أن الزميلة مي شدياق نموذج لضحايا الإرهاب الأول.

لا مقارنة، طبعاً، بين هذين الإرهابين، لكن ذلك لا يمنع أن الحصيلة المشتركة لهما هي إلغاء التعددية، والنقاش الحر، وحرية تداول الأفكار. واللافت أن بين المشاركين في النوع الثاني مَن يتصرف كأنه يبحث عن العدالة في حين أنه لا يبحث سوى عن الثأر المتخلف، ولا يبدو أنه يريد تغيير علاقات سابقة سيئة، وإنما يريد، فقط، انقلاب المواقع في طرفي المعادلة بحيث يتم استبدال هيمنة بأخرى. وبهذا المعنى، فإن نواباً في تيار <<المستقبل>> فوّتوا فرصة في تقديم ممارسة سياسية مختلفة. أعطوا تفسيراً آخر لتعبير <<نواب المستقبل>>، بحيث بات يعني أنهم غير جديرين بأن يكونوا نواباً اليوم أما في المستقبل... يمكن تفهّم الحرقة التي يصدرون عنها، لكن ذلك لا يعني التسامح مع العنف اللفظي والعشوائي الذي يميّز البعض منهم.

لقد كنا، ولا نزال، على مشارف تضمين <<الحقيقة>> معنى خاصاً. لم تعد <<الحقيقة>> هي حقيقة مَن <<حرّض وأشرف ونفّذ>>. باتت تقترب من المعنى الذي تعطيه ل<<الحقيقة>> السلطاتُ شبه التوتاليتارية. إنها <<الحقيقة>> التي هي مصدر السلطات كلها، والشرعية كلها، ورفض المساءلة. إنها <<الحقيقة>> الشمولية التي تعدم كل ما سواها وتلغيه. إنها <<الحقيقة>> المطلقة التي تُخضع الآخرين وترغمهم على تقبّل ما تفرضه عليهم في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة. إنها <<الحقيقة>> التي لا يسع لجنة تحقيق دولية أن تصل إليها لأنها خارج نطاق مسؤوليتها، وإن كانت ممكنة الاستفادة القصوى مما هو منسوب إلى اللجنة من أجل إحداث <<ثورة مضادة>> كاملة. لا مبالغة في القول إن <<لجنة التحقيق>> لم تتضرّر من المتهمين بالتشكيك بها، قدْر تضرّرها من الذين تظاهروا بالحرص عليها، ونسبوا إليها ما لم يصدر عنها، وعاشوا قلقاً من ألا تكون <<حقيقتها>> شديدة التماهي مع <<حقيقتهم>>.

إن من نتائج هذا الجو الضاغط أن موضوعاً حيوياً وفي منتهى الأهمية بات مستبعداً من النقاش في لبنان: موضوع العلاقات اللبنانية السورية في ظل الانقلابات التي يفترضها البعض في أوضاع البلدين، والقادمة على شكل <<زلزال>>. فلقد كان لافتاً أن دولاً عربية مركزية ودولاً غربية نافذة بدت أكثر اهتماماً بالمصائر اللبنانية والسورية من لبنانيين يعيشون وضعاً هشاً ومرشحاً، على الأرجح، لمزيد من الهشاشة سواء استقرت الحالة السورية على ما هي عليه أم تغيّرت.

أما لماذا استبعاد مثل هذا النقاش فلأن الخوض فيه يمكنه أن يطرح أسئلة صعبة، وأن يقود إلى أجوبة مقلقة، وأن يُنتج جواً يفرض قدْراً من الرصانة أكبر من المتوفر حالياً في التعاطي مع لجنة التحقيق وعملها ونتائجه.

إن في لبنان مَن يُسكت خصماً بعبوة. ولكن في لبنان، أيضاً، مَن يريد إسكات أي خصم بحملة. مَن لا تجرِ محاولة اغتياله جسدياً تجرِ محاولة اغتياله معنوياً. وفي الحالين تنحسر مساحة الحرية، يغطي الدم بقعة منها، وتسعى <<الكمامات>> إلى التكفل ببقعة أخرى.

مصادر
السفير (لبنان)