ليس بعيداً من الانتفاضة الفلسطينية وما صنعته من وقائع انعكست على ميزان الهجرة التوسعية التهويدية، فإن الوكالة اليهودية، وهي الجهة المعنية بقضايا الهجرة والاستيطان في الدولة العبرية، قدمت ملاحظات أولية حول الأسباب الإضافية لتدني وهبوط نسبة اليهود القادمين الى فلسطين المحتلة من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. فالوكالة اليهودية ترى بأن الأسباب الجوهرية لنضوب خزان الهجرة الاستعمارية الصهيونية الى فلسطين تعزى الى:

- الاستيعاب الفاشل للعلماء والمهندسين والأطباء من "القادمين" الى الدولة العبرية الصهيونية، إذ يعمل ثلثهم فقط في مجال اختصاصهم، حيث يضطر القادمون من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق للعمل في الخدمات البلدية بالنسبة للشباب، وفي الحانات والملاهي الليلية والأندية المغلقة بالنسبة للفتيات، إضافة للمساعدة من الوكالة اليهودية. أما العامل الذي يجد مكاناً للعمل في مصنع ما، فيحصل على راتب متدن قياساً بالدخل في الدولة العبرية، بحيث يقتل حافزيته للتطور والعطاء والتقدم في عمله (وفق تقارير الوكالة اليهودية).

- موضوع الانهيار العملي لتسوية الراهنة ودخول المنطقة في نفق الاستعصاء، وهذا الموضوع مفصلي وهام ذلك أن معظم المستعمرين القادمين، يأتون في سياق البحث عن رفع مستوى معيشته وتالياً الثراء السريع.

- عودة الانتعاش الاقتصادي ولو بوتيرة منخفضة الى روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، لذا فالفرصة الأفضل أصبحت في نظر أعداد كبيرة من يهود روسيا والدول المذكورة البقاء في وطنهم الأم.

وحسب رئيس قسم الهجرة في الوكالة اليهودية "أوري جوردون" فإن ارتباط يهود المدن الكبرى في روسيا مع يهود الدولة العبرية ضعيف وهم يفضلون الثقافة والحياة الغربية على المزاج الشرق أوسطي. وهذا ما يبرر الأعداد القليلة والهبوط المستمر للقادمين منهم من المدن الكبرى من دول الاتحاد السوفييتي السابق نحو فلسطين المحتلة. بناء على كل ذلك قدمت الوكالة اليهودية (قسم الهجرة) أكثر من مرة، عدداً من الاقتراحات للزعامات الحزبية الإسلامية لرفع نسبة الهجرة الاستيطانية، وهذه الاقتراحات كانت على الشكل الآتي:

-إرسال مبعوثين إضافيين لتقوية علاقة اليهود في روسيا والدول المحيطة بها بيهود الدول العبرية.

- جعل الوكالة والهستدروت الصهيوني مؤسسة واحدة، وإقامة مؤسسة جباية إسرائيلية وتأسيس جامعة يهودية للشبان اليهود في روسيا وأوكرانيا وحتى بولونيا.

- إضفاء رونق على قسم الهجرة في الوكالة اليهودية من خلال جلب المستشارين الاستراتيجيين والخبراء في الإدارة.

- إعطاء فيض من المعلومات من جانب مبعوثي الوكالة للمهاجرين لدفعهم للهجرة، مع تقديم المساعدات المادية والحقوق الاجتماعية ومنحهم الجنسية قبل وصولهم.
- إقامة المشاريع الحكومية الكبرى مثل قناة المياه التي تربط بين البحر الميت والبحر الأبيض المتوسط، بحيث يتحول هذا المشروع مشروعاً تطوعياً لجذب آلاف اليهود الشبان.

- تطوير الاستيطان والبنى الاستيطانية، خصوصاً في هضبة الجولان الغنية بالمياه والأرض الخصبة، وفي مناطق القدس ومحيطها. وتجنيبهم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة التي أصبحت مقبرة لمجموعات المستوطنين.

- إعطاء المهاجرين فور قدومهم امتيازات مادية وإعفاء ضريبي ورعاية اجتماعية بنسبة أكبر من الواقع الحالي، ولفترة انتقالية تمكنهم من الاستقرار. فالمستوطن في مناطق الاستيطان الجديدة يكلّف دولة الإحتلال 17 ضعفاً عن ما يكلفه الإسرائيلي في رامات غان أرقى وأغلى أحياء تل أبيب وفق البيانات التي نشرتها الصحيفة الإسرائيلية قبل عام.

وخلاصة القول، لقد لعبت انتفاضة الشعب الفلسطيني دوراً بارزاً في الحد من الهجرة اليهودية الى فلسطين، وكذلك تراكم أعداد المهاجرين اليهود في الهجرة المعاكسة الى الخارج فلسطين، حيث يلعب الاستقرار الأمني دوراً هاماً في جذب مزيد من يهود العالم الى فلسطين، هذا فضلاً عن العامل الاقتصادي الهام والمؤثر أيضاً، وقد تتراجع أرقام الهجرة اليهودية باتجاه فلسطين في السنوات المقبلة، حيث اجتذبت إسرائيل أكثر من مليون يهودي من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وبقي الكم الأكبر من يهود العالم في الولايات المتحدة بتعداد يقارب ستة ملايين يهودي، وفي فرنسا 700 ألف يهودي، وهذه البلدان بطبيعة الحال لا تعتبر من المنابع الخصبة للهجرة الاستيطانية الإجلائية الى فلسطين المحتلة، بسبب ارتفاع مؤشرات التنمية الاقتصادية والبشرية فيها، والبحبوحة التي يعيشها اليهود هناك كمواطنين على أرض بلدهم الأصلية، وهي بالتالي مناطق استقرار لهم. وعلى هذا الأساس تتردد الكلمات التالية داخل دولة الاحتلال: "القوة المعنوية للاستيطان (التوسعي) على أرض فلسطين ذات البعد الأيديولوجي الروحي في صفوف يهود العالم تراجعت جداً قياساً بالعقود الماضية، ففي حين كان يطلق على المستوطنين، خصوصاً القدامى منهم اسم (الطلائعيين) فإن المستوطن الحالي ليس سوى باحث عن فرصة أفضل للعيش والامتيازات في مكان جديد في العالم".

مصادر
المستقبل (لبنان)