ليست حال الملك عبد الله الثاني بأفضل من حال الرئيس جاك شيراك. ومن يتأمل في ملامح وجه كل من الاثنين عقب الحرائق المخزية في باريس وتفجيرات الفنادق في عمان، وهي ايضاً مخزية، يمكنه قراءة ما يجيش في الصدر من غضب وآلام لا مثيل لها. ويمكنه، وهذا هو الأهم، الافتراض بأن الرئيس الفرنسي يتمنى لو كان في استطاعته ان يقول بالصوت العالي من هي الأطراف الحقيقية التي تقف وراء هذه الفوضى وتغذيها، لكي تعصف بهيبة الحكم الشيراكي وتنقل فرنسا من دولة كبرى صاحبة دور في مجريات القضايا العالمية.. وبالذات ما يتعلق بالشرق الاوسط، الى دولة مجروحة الكبرياء تحاول رئاستها وحكومتها لملمة آثار الصدمة الناشيءة عن تحويل عاصمة النور الى عاصمة النار. كما يمكن للمتأمل الافتراض بأن الملك عبد الله الثاني يتمنى لو كان هو الآخر في استطاعته القول وبالصوت الأعلى من هي الاطراف الحقيقية التي تبغي من تفجيرات الفنادق تصوير الاسلام على انه المشكلة كون بعض المسلمين لا يتورعون عن تفجير صالات في الفنادق يكون فيها احتفال عائلي او مناسبة زواج، ومن دون ان يشفق هؤلاء على ابرياء تُسفح دماؤهم وعلى ارواح تفيض واجساد تتلوى بشظايا التفجيرات. قد نجد من يقول استناداً الى ما حدث في ديار عربية وإسلامية كثيرة، ان هنالك مِنْ بين المسلمين افراداً أعمى الضلال بصيرتهم وانتزع من قلوبهم مشاعر الرحمة، يمكن ان يفعلوا الكثير ويقترفوا من الإجرام أشده، ولذا فلا موجب للتشكيك. والرد على ذلك هو أن هنالك نفوساً كثيرة أمَّارة بالإجرام وفي ظن اصحابها أن هذا الذي يفعلونه هو نوع من الجهاد في سبيل الله، لكن في الوقت نفسه من الضروري ان نبحث عن الذين يوظفون هذه العمليات الإجرامية لمآربهم الخاصة والتي هي مآرب شريرة. وعند البحث سيتبين لنا ان المخططين هم الأكثر خطورة وان الفاعلين هم اشخاص مغرَّر بهم.. هذا فضلاً عن بعض المؤشرات التي تفسر لنا اموراً كثيرة. وعلى سبيل المثال لا الحصر ما اوردته صحيفة «هآرتس» من معلومات مفادها ان قوات الأمن الاردنية أخلت عدداً من الاسرائيليين من فندق «راديسون» قبل ساعات التفجيرات التي تعرَّض لها الفندق بعد تحذير أمني، وان قوات أمن اردنية رافقت الاسرائيليين خلال اعادتهم الى اسرائيل. وإذا صح هذا الكلام يجوز عندها التساؤل: هل ان مصدر التحذير جهة اسرائيلية؟ واذا كانت ليست كذلك، اي انها جهة اردنية، فلماذا حرصها على ترحيل الاسرائيليين وعدم حرصها على بقية ساكني الفندق؟ ولماذا لم يتم اخلاؤه على الفور وإلغاء حفلة الزفاف وأي حفلات استقبال اخرى وضرْب طوق أمني حول الفندق وبحيث لا تعود هنالك كارثة كتلك التي حدثت؟

ونستحضر ونحن نتأسى على المئات الذين قضوا قتلى او اصيبوا بجروح في «أيلول الاسود» النيويوركي عام 2001، كيف ان العاملين والموظفين اليهود في مكاتب شركات في مركز التجارة العالمية في نيويورك لم يأتوا دون غيرهم من سائر العاملين والموظفين يوم العملية الترويعية، التي استهدفت برجي المركز، وبذلك نجوا من الموت لأن هنالك من أبلغهم بما سيحدث، فيما العشرات سقطوا ضحايا.

لن نغوص الى القاع في موضوع ترجيح نظرية المؤامرة الصهيونية ونحن نرى ما يحدث في عمان، ونخشى ان يتكرر في تونس خلال قمة المعلوماتية نتيجة مشاركة اسرائيل فيها وسط ايحاءات تونسية في اتجاه التطبيع، وما لا يزال قابلاً للاشتعال في باريس لمجرد رفع حالة الطوارئ خصوصاً ان وزير الداخلية ساركوزي لم يتعامل ببعد نظر مع انتفاضة «بدون» فرنسا، الأمر الذي استوجب صدور لوم خشن له من جانب شيراك ربما بغرض حذفه كمرشح للخلافة الشيراكية.

إلاَّ اننا في الوقت نفسه نرى ان الذين اصابوا الجنرال ديغول في هيبته من خلال ما سُمي «ثورة الطلاب» التي قادها كوهين باندت، هم انفسهم الذين عملوا على اصابة هيبة الرئيس المُستنسخ جاك شيراك. وهنالك الكثير من الاسباب الموجبة لكي تفعل الجهة نفسها بالرئيس شيراك ما فعلته بالرئيس ديغول، مستخدمة هذه المرة الصدمة اليمينية المتطرفة المتمثلة بشخص جان ماري لوبن. وليس على ما يبدو افضل من توظيف «الارهاب الاسلامي» لهذا الغرض ما دامت آلة الإعلام الغربي نجحت في تصوير الاسلام بأنه دين «إرهاب» وان الاسلامي المتدين هو سلاح من اسلحة التدمير الشامل للحياة المضيئة، مثل باريس، او لبهجة الناس يحتفلون بزفاف الابناء أو البنات في فنادق العاصمة الاردنية. ومن هنا فإن التنبه في مثل هذه الحال ضروري بمثل ما إن الاستنكار ضروري ايضاً، انما في الوقت نفسه البحث في المشهد امأمنا عن اطراف مختبئة تفتعل الحادث بإشعال عود الكبريت بيد اسلامية، ثم ترمي النار بالمزيد من الحطب بأيدي اجنبية ومتصهينة.

واخشى ما نخشاه بعد سماعنا ومشاهدتنا الرئيس بشَّار الأسد يلقي خطاب الاعتزاز الاضطراري بالنفس يوم الخميس 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري من على منبر جامعة دمشق، أن يجن جنون المجتمع الدولي المنساق وراء الادارة البوشية، ويفسر بعض عبارات الرئيس بشَّار في خطابه على نحو تفسيره في الماضي لعبارات خطب الاعتزاز بالنفس الصدَّامية على انها دعوة للمنازلة. ومن هذه العبارات على سبيل المثال لا الحصر: «ان عصر الوصايات الذي كان سائداً في بداية القرن الماضي ولَّى»، و«اذا كنا صمدنا منذ البداية فإننا سننتصر في النهاية» و«انني لن اكون الرئيس الذي يحني رأسه او رأس شعبه لأي كان»، و«اذا حصل ضرر ما فلن يصيب سورية فحسب، بل بلداناً اخرى ايضاً، وكذلك العملاء الذين أتوا بالمستعمر...». وفي حال جاء التفسير على نحو ما نشير اليه فإن المنطقة ستكون بالفعل على كف العفريت البوشي. حمى الله سورية من جموح هذا العفريت.

وخطاب الرئيس بشَّار من على منبر جامعة دمشق يجعلنا نستحضر خطاب الرئيس الايراني محمود احمدي نجَّاد يوم الاربعاء 26 اكتوبر (تشرين الاول) الماضي من على منبر جامعة طهران لمناسبة «يوم القدس»، ودعا فيه إلى «ازالة اسرائيل من الوجود» معتبراً ان هنالك معركة تدور «بين الأمة الاسلامية وجبهة الكفر، وستنتهي الى عالم خال من اميركا والصهيونية». والاستحضار بمعنى ان جهوداً شاقة سيبذلها الرئيس بشَّار لترطيب الاجواء الدولية والمشاعر اللبنانية والصدمة المصرية والسعودية والخليجية عموماً الناشيءة عن بعض المفردات التي وردت في خطابه. وهنا نجد انفسنا نقول انه على رغم الغضب المتراكم في نفس الرئيس بشَّار مما آلت اليه الامور، فإنه لو وزع نسخاً من خطابه على بعض الذين يريدون له الخير والذين اذا هم نصحوا اسدوا النصيحة المخلصة والخالية من الغرض، لكان هؤلاء اوصوا بحذف مقاطع كثيرة من الخطاب، ولكان صاحبه سيرى خيراً في هذا الحذف، ولكان ايضاً سيتحاشى الخروج على اي كلمة مكتوبة وبعد التعديل او الحذف. وهو الشيء نفسه الذي كان سيحدث مع الرئيس الايراني الذي بالغ في الصراخ وجعل بقية دوائر صنع القرار الايراني تحاول لملمة الآثار السلبية الناشيءة عن المفردات النجَّادية، التي لا تختلف عن مفردات «زاباتا» القارة اللاتينية الجديد شافيز.

اما وان ذلك لم يحدث وبدا الخطاب وكأنما هو مكتوب بقلم الرئيس الأسد الأب، ومن نوع الخطابات الصادمة والمحزنة شأنه في ذلك شأن الخطاب النجَّادي، فإن التلطيف حتى من الذين يشكلون العمق الأسدي في لبنان وبعض الدول العربية لن يكون بذلك الأمر اليسير.. وبالذات تلك المفردات التي لمس فيها الرئيس بشَّار الحالة الحريرية أباً وابناً مع نعوت ظالمة، طالت رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة الحريري الهوى والالتزام ووصفه بأنه «عبد مأمور عند عبد مأمور». ومن الطبيعي الافتراض بأن كثيرين سينظرون الى التجنيات البشَّارية على الحريرية والحريريين على انها في بعض جوانبها نوع من الحسد، كون ابواب العرب والعالم مفتوحة على مصاريعها أمام سعد الدين الحريري، مع انه ليس رئيس دولة وموصدة امام رئيس سورية تلك الدولة التي تشكل الرقم الصعب... والتي غدت على نحو الاستنتاج الذي نخرج به من القراءة المتأنية لخطاب الرئيس بشَّار مستهدَفة حتى لو نفَّذ رئيسها ما يمكن تنفيذه لدواعي الاضطرار، وما لا يجوز التزاماً بوصايا الوالد الرئيس الراحل التساهل فيه، واعتماد سياسة حافة الهاوية اذا تطلَّب الأمر ذلك... وهذا ما حدث

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)