حصار الأسئلة اليوم يشكل صورة عن المستقبل رغم مساحات الانفراج التي تظهر أحيانا داخل الوطن، أو تكون تعبيرا عن تحرك سياسي وسط عالم يبلور صورته سريعا نحو "شرق أوسط كبير"، فالعام الذي يرحل لم يكن حالة عادية لأنه يشكل مواجهة مع الذات في لحظات تميزت بالقسوة والاغتيالات ... والعام الذي يرحل سحب منذ بدايته ألوانا سياسية وجعل البعض يبنى "الفوضى البناءة" الخاصة به، أو تلك التي يتخيلها قادرة على وضعه تحت دائرة الضوء.

ولا تبدو المسألة يوم كشف حساب أو مراجعة بقدر كونها رسم خطوط للمستقبل، لأن "عملية المواجهة" تساوي في خطوطها "عملية التسوية" التي أطلقت في بداية التسعينات. فحتى ولو كان السلام خيارا استراتيجيا لكن مجال هذا الخيار لا يمكن أن يصبح واقعا إذا بقي مجاله الحيوي داخل نطاق الخطاب السياسي. ودون ان يكون الأمر ترويجا للسلام لكن هذه المسألة يبدو أنها أكثر حضورا مع رائحة الدم التي زرعتها الأحداث حتى قبل الحادي عشر من أيلول. فالسلام اليوم كخيار استراتيجي يأخذ بعده الحدي مع العالم؛ وليس مع عدو واضح المعالم ... خيار استراتيجي دون النظر إلى مسألة "إسرائيل" التي تشكل عمق "ثقافة الحرب".

خلال عام واحد استطعنا معاينة نتائج استراتيجية كنا نحاول التهرب منها، ونحن نشهد تحولا دوليا صارما باتجاه فرز العالم، او رسمه على شاكلة "ما بعد الحرب الباردة". وإذا كانت القضية متعلقة بالتحول الداخلي فربما علينا إعطاء هذا التحول حقه كمساحة عامة مرتبطة بصورتنا وبتجربتنا السياسية بغض النظر عن المطالب الإجرائية للمعارضة.

ربما يكون صحيحا أن مفتاح النفاذ نحو الزمن الجديد تبدأ من الداخل، وعلينا وفق هذه القناعة رسم داخلنا على قياس الدخول إلى الزمن وليس على شاكلة الصراعات السياسية التي سادت منذ الاستقلال. وربما علينا صياغة المعارضة والثقافة وما ينتج عنهما من مسائل فرعية تشغلنا يوميا بدء من حقوق المواطنة وانتهاء بإلغاء قانون الطوارئ والسماح للأحزاب بالعمل.

المواجهة المزدوجة اليوم لا تنفصل عن إيقاع الحياة فالمواجهة مع السلام هي في النهاية مواجهة مع ذاتنا وتفكيرنا في إنتاج المستقبل .. والنفاذ من الحالة السياسية الإقليمية ليست بعيدة عن الثقافة الاجتماعية التي تُكرس اليوم وكأن الشرق الأوسط حلبة صراع لفئات اجتماعية وجموع بشرية لا يجمعها سوى إصرارها على تأكيد "هوية التفتت".

المواجهة المزدوجة اليوم ليست في ثنائية المعارضة – السلطة، لأن القضية هي بالفعل "رسم" المعارضة على شاكلة المستقبل، وإعطاء السلطة أبعادها العامة التي نراها داخل حياتنا العامة. فالأزمة في معارضة قادرة على تلمس المصلحة الاجتماعية وتكسير إطار النخب، وفي فهم "صورة السلطة" كحالة تماس مع المجتمع تتضمن "الدولة" و "النظام السياسي" و "السلطة السياسية" والعلاقة الحيوية بين هذه الأمور والثقافة الاجتماعية. المستقبل القادم مع العام الجديد لا يعيدنا لحساب عام كامل بل لإصرار جديد على ضرورة البناء للغد بدلا من التفكير بالحلول التقليدية، أو باسترجاع البرامج السياسية التي استيقظت فجأة بعد ثبات دام أكثر من أربعة عقود.