ضمن إطار سياسة اقتصاد السوق - اجتماعياً كان أم غيره- الذي تتبلور معطياته يوماً بعد يوم في سوريا، يظهر عنصر رأس المال كعنوان أساسي لهذه المرحلة الانتقالية التي يعيشها الاقتصاد السوري، والذي (تنفتح) أمامه القطاعات واحداً تلو الآخر ضمن برنامج غير معلن وغير واضح المعالم، هذا إن كان هناك برنامج لهذا (الانفتاح) أصلاً.

وهذا الرأسمال - سورياً كان أم غيره- الذي بدأنا نراه منذ فترة يستعد وينقض لاستثمار الفرص التي يقدمها له (الانفتاح)، يبدو وكأنه مشبع بالمجسات فائقة القدرة على استقراء المستقبل وأخذ المدة الزمنية اللازمة له للاستعداد، ومن ثم الانقضاض على الفرص التي تتيحها العملية (الانفتاحية) القائمة خلال ساعات بعد صدور القوانين أو القرارات أو التعليمات الخاصة بها.

وبغض النظر عن خلفية هذا التزامن العالي الدقة والفاعلية، فإن القطاعات التي (تنفتح) واحداً تلو الآخر، نرى في بعضها انقضاضاً لرأسمال (أو رساميل) محددة للسيطرة على أكبر حصة ممكنة في هذا القطاع أو ذاك. ومع تقدم الزمن ومع كل فرصة (انفتاحية) جديدة يتم الانقضاض عليها، ينمو هذا الرأسمال ليدخل بقوة أكبر في الفرصة اللاحقة بعد أن يكون قد استقرأ متطلباتها وزمن نضوجها.

وبغض النظر إن كانت الآلية الانقضاضية السابقة آلية طبيعية أم لا، فإن ما سنواجهه في المستقبل هو انتقال تدريجي (قطاع تلو الآخر) من احتكار حكومي في المرحلة (اللاانفتاحية) إلى شبه احتكار رأسمالي في نهاية المرحلة (الانفتاحية) القائمة.

وقد يكون ما سبق هو حق للرأسمال (أو الرساميل)، لكن هذه الصيغة شبه الاحتكارية من طبيعتها أنها تجعل من أي خطأ يرتكب من قبل هذه الرساميل هو كارثة على القطاع نفسه وبالتالي على الاقتصاد عامة. كذلك فهي تخلق حالة غير تنافسية تؤثر سلباً على زبائن هذا القطاع وتزيد الضغط المادي عليهم، وبالتالي على آليات العدالة في توزيع الثروة الوطنية. إضافة إلى أن التفرد بحصة كبيرة في أي قطاع (أو قطاعات) يترافق بالضرورة مع نفوذ كبير لهذه الرساميل قادر على العمل والتأثير في المجالات المختلفة وليس فقط الاقتصادية منها.

وعليه فإن قرر هذا الرأسمال في لحظة ما ترك القطاع والانتقال إلى فرص أخرى فمن غير الممكن التنبؤ بصاحب الحظ في امتلاك الحصة الأكبر في قطاع من قطاعات اقتصادنا بسبب آليات اقتصاد السوق من سوق للأوراق المالية وغيرها.

وكذلك فإن الإمكانية المتاحة أمام هذه الرساميل لاستغلال الفرص الاستثمارية بشكل شبه احتكاري يدفع بهذه الرساميل إلى الصراع فيما بينها من فوق الطاولة أحياناً ومن تحتها أحياناً أخرى وبوسائل مشروعة وشبه مشروعة وما نسمعه أو نقرؤه أو نشاهده أحياناً خير دليل على ذلك.

إن إعادة تعريف طبيعة وآليات ملكية رأس المال في قطاع (انفتاحي) ما يجب أن تنطلق من عناوين مثل التنافسية، الشفافية، العمومية... بهدف تحقيق أعلى مستوى من العدالة في توزيع الثروة الوطنية أو الدخل الوطني، وعليه فإن خلق الآليات التي تسمح بذلك هو هدف رئيس وملحّ في هذه المرحلة (الانفتاحية) قبل أن تنغلق من جديد. دعونا نبحث عن رساميل وليس عن رأسمال.