اختارت فرنسا رئيسها، خيار حر لا لبس فيه شكلا، ولكل خيار دلالات لا بد من التوقف عندها خاصة إذا كان الأمر يتعلق بدولة كفرنسا وشعب كالشعب الفرنسي الذي يعتبره العرب صديقا.

وإذا كان لخيار الفرنسيين دلالات داخلية تتعلق بنظرتهم لمستقبلهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي فلهذا الخيار أيضا تأثيراته على موقع فرنسا في العالم العربي والعالم، الأمر الذي ما زال غامضا عند معظم شعوب العالم ومن بينها المجتمع الفرنسي العريق في ديمقراطيته.

فالخيار الفرنسي لا يمكن أن يكون محصورا بالشخصية التي رؤوا فيها شرطيا قويا ولا مفتش ضرائب حنون ومتفهم بل اختاروا أيضا واجهتهم في العالم ومدافعا عن مصالحهم ومعبرا عن مبادئهم. إنه في الواقع رسالتهم للعالم الخارجي، رسالة لا بد أن يرد عليها العالم.

الرسالة التي وجهها الفرنسيون للعالم هي أنهم أبعد ما يكون عن العنصرية فهم اختاروا مهاجرا من الجيل الأول مما يعطي انطباعا ودفعا لأجيال المهاجرين بأن المجال مفتوح أمامهم ليصلوا إلى مناصب هامة في الدولة والمجتمع الفرنسيين. والرسالة الثانية التي يمكن أن توصف بالإيجابية هي أنه سيكون أول يهودي يحكم فرنسا التي تقول عن نفسها أنها الابنة الشرعية للكنيسة الكاثوليكية. رغم أن هذه الفرضية محكومة بالعناصر والماكينة التي عملت لصالح ساركوزي في صعوده ووصوله إلى الرئاسة الفرنسية.

هاتين الرسالتين اللتين أراد الفرنسيون إيصالها للعالم أرادوا أيضا إيصالها إلى الرئيس نيكولا ساركوزي نفسه أيضا، حيث وضعوه أمام التحدي الكبير، فهو المنتخب من الفرنسيين وعليه أن يبدي الكثير من الفرنسوية الثقافية والقيمية إضافة إلى حرصه على مصالح فرنسا والفرنسيين ووضعها في أولوية اهتماماته متناسيا، ربما، مشاعره وقناعاته الأيديولوجية وغيرها. وهو المنتخب من الديغوليين وباسمهم وعليه أن يبقي على هذه المبادئ الديغولية في سياسته الخارجية، وإن أراد التطوير والتجديد فذلك يجب أن يسير على قاعدة المبادئ الأساسية للديغولية السياسية. وهو المنتخب وفق برنامج اقتصادي- اجتماعي وضعه هو وأصدقاءه ليصبح ملزما بتنفيذه. بدقة لأن ما كان مسموحا للرؤساء السابقين ليس مسموحا لشخصية مثل نيكولا ساركوزي.

هذه التحديات تجعل من ساركوزي وفريقه الذي سيعمل معه تحت رقابة قاسية من المجتمع الفرنسي نفسه، المجتمع الفرنسي بكل أطيافه وتراكيبه المعقدة.

فهو تحت رقابة الديغوليين الذين سيراقبون مدى وفائه لهم وللديغولية التي ناضل ضمن صفوفها وأوصلته بماكينتها الانتخابية إلى أعلى سلطة في البلاد خاصة لجهة علاقاته الدولية وموقع فرنسا ألقيمي والثقافي في العالم ودورها وموقعها في أوروبا، خيار صعب للغاية لكونه خيار بين أن يبقي فرنسا رافعة ومحركا ورائدا في البناء الأوروبي وفرنسا تابعة ومرفوعة على سياسة المحاور الأوروبية.

بين فرنسا الصديقة لروسيا والصين والتي استطاعت أن تؤسس لتعددية قطبية وفرنسا التابعة للقطب الواحد مع كل ما يتطلب ذلك من مواقف قد تخالف شعارات ومواقف كان ساركوزي قد أطلقها في حملته الانتخابية.

ساركوزي واقع أيضا تحت رقابة ناخبيه من اليمين المتطرف الذين تناسوا جراحاتهم وانضموا إليه لينفذ وعده بالحد من الهجرة وبالتعامل بشدة مع المهاجرين وأن يعيد فرنسا للفرنسيين كما يحلمون فهنا خياره الأصعب، فإن هو سار في هذا الطريق فهو معرض لخسارة نفسه وإن لم يسر فحكمه لن يكون نزهة، لكن ساركوزي يستطيع أن ينفذ بعض ما يريده المتطرفون اليمينيون الفرنسيون وعليه أن يختار أي شق سينفذ الشق المتعلق بالسياسة الخارجية أم المتعلق بالوضع الداخلي. وإذا كان مسايرتهم في الوضع الداخلي خياره فماذا سيفعل ب 82% من الشعب الفرنسي الذي اختار منذ 5 سنوات مواجهة مرشحهم والتصويت للرئيس شيراك ( نكاية ) بجان ماري لوبان يومها.

إن قراءة متأنية لدلالات هذا الفوز يمكن أن تجعل من الرئيس نيكولا ساركوزي صفحة مضيئة بتاريخ فرنسا المعاصر وتجاهل هذه الدلالات قد تؤدي بفرنسا من جديد للغوص في بحر من المتاهات والأزمات ويحرمها من رئيس آخر يحمل نفس المواصفات الثورية التي يحملها الرئيس.

من هنا يبدو واضحا أن التحدي الكبير أمام ساركوزي هو تحد بين أن يحكم فرنسا بقوة علاقاته الخارجية الأطلسية والنزعة البوليسية وفلسفة المحافظين الجدد وبين أن يقود فرنسا نحو تنفيذ سام لسلم قيم ومبادئ الثورة الفرنسية. بين أن يكون دكتاتورا على دولة ديمقراطية عريقة أو أن يكون فرنسي الهوية الثقافية والسياسية ولا يستطيع أحد أن يحكم على ساركوزي الرئيس فساركوزي المرشح الرئاسي وساركوزي المناضل السياسي في الداخل الفرنسي ليس ساركوزي الرئيس فالبون شاسع دائما بين المرشح والرئيس.