منذ حرب يوليو في لبنان العام الماضي لاحظ الجميع كيف أن قرقعة لغة الحرب بين إسرائيل وسورية عادت لتفرض نفسها بعد صمت دام أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، وبعد توقف دام نحو سبعة أعوام لمفاوضات السلام بين البلدين. صحيح أن سياقاً إقليمياً عاماً دافعاً نحو الحرب بدأ يفرض نفسه ويرخي بظلاله على كل من دمشق وتل أبيب، لكن رغم ذلك لاحظ الجميع أن ثمة «رغبة» لدى الطرفين لتجاوز حالة ما من خلال بوابة الحرب أو التلويح بها والاستعداد لها. على الضفة السورية وتزامناً مع وقع الضربات الإسرائيلية القاسية على أصدقاء دمشق في لبنان التي ترافقت بدورها مع قصف سياسي «لأعداء» دمشق في لبنان يسخرون مشككين من «هدوء» ثلاثيني على الجبهة السورية، كان لا بد من «رد» سوري، فجاء التلويح من دمشق رسمياً باللجوء «للخيارات كافة» لتحرير الجولان، وتم الإعلان عن ولادة تجمع هو الأول من نوعه لأبناء الجولان هدفه «تحرير الجولان» بالوسائل كافة. على الضفة الاسرائيلية، كان من شأن عدم القدرة على إلحاق هزيمة بـ «حزب الله» إعادة التفكير والقيام بمراجعة قاسية للتجربة المرة في لبنان، والعمل سريعاً على الاستعداد جيداً لصيف آخر حار ميدانه الجبهة السورية لطالما انتشت دمشق شامتة بصمود حليفها «الحزب»، الصمود الذي كان من شأنه أن أعاد الثقة إلى الجيش السوري بقدرته على فعل شيء شبيه أو ربما أكبر وأكثر أهمية، وللنظام بأهمية دوره ومحوريته بعد سعي أميركي وغربي إلى عزله وتطويقه. لكن وبعيداً عما حصل في لبنان، وبعيداً عن ضجيج لغة الحرب، دعونا نفكر جيداً ونعد للعشرة قبل الذهاب بعيداً في حماستنا. في البداية لا بد من الاعتراف والتواضع قليلاً، التواضع الذي يجعلنا نفكر ونحسب جيداً للتكتيك الإسرائيلي القائم على التأكيد على الحرص والسعي إلى لسلام مع سورية و«دفع أثمان مؤلمة» بالوقت ذاته الذي تشهد جبهة الجولان من الجهة الجنوبية الغربية المحتلة استعداداً وتجهيزاً للحرب لم يسبق له مثيل منذ أعوام طوال أيضاً. يعكس ذلك المناورات العسكرية الضخمة، التجهيزات في البنى التحتية اللوجستية، وجلب إيهود باراك للحكومة وزيراً للدفاع. هذه مؤشرات خطيرة على المسؤولين السوريين أن ينتبهوا إليها جيداً، أيضاً يجب أن نتواضع ونعترف بأن المجتمع والدولة التي تستيقظ في اليوم الثاني لتحاسب قادتها وجنودها على حرب لم تجلب النصر الكامل كما فعلت المؤسسة الاسرائيلية، هي دولة ومجتمع يجب أن نحسب له ألف مرة من دولة ومجتمع لا يملك المؤسسة التي تستطيع أن تحاسب ولو مسؤولاً من الدرجة الرابعة على فساده واخطائه. كثيرون منا راحوا يتباهون بما فعل «الانتصار الإلهي» في الجيش والحكومة الإسرائيلية حين راحت لجنة «فينوغراد» توجه صفعات جارحة لكل مسؤولي الحكومة والجيش الاسرائيلي بدءاً من رئيس الوزراء إيهود أولمرت مروراً بوزير دفاعه السابق عمير بيريتس، ورئيس الأركان دان حالوتس، وانتهاء بأصغر جندي مقصر، نعم كثيرون منا رأوا في ذلك مدعاة للسخرية والاحساس بأن إسرائيل منخورة من داخلها، وزادوا أكثر في التعبير عن بلاهتهم حينما أنزل القضاء الإسرائيلي الرئيس موشيه كاتساف من كرسيه بتهمة التحرش الجنسي. لن نضيف شيئاً، ولن نأتي بسر، حين نقول إن ما حصل في إسرائيل من محاسبة وحساب وضجيج دليل عافية وصحة وسلامة أكثر من أي شيء آخر. إنما الشيء الذي يجب أن نتوقف عنده هو هذا التساؤل: هل تملك الدولة السورية والمؤسسة، سواء أكانت قضائية أم اعلامية، أم عسكرية القدرة على إجراء محاسبة نزيهة وعاجلة وجريئة لأماكن الخلل والعطب في الجيش السوري؟ والأهم من ذلك كله هل نحن حقاً نملك المؤسسة، أو هل نحن دولة مؤسسات؟ أنا كمواطن سوري أملك الجرأة على الاعتراف بألم أن حال جيشنا لا يسر لناحية امتلاكه زمام خوض حرب تقوده إلى النصر العسكري الذي ينهي احتلال إسرائيل للجولان، ولا حتى نصف نصر أو ربع نصر. المسألة ليست معقدة، كلنا نعلم أن الكثيرين من جنودنا يرتدون بزات مهترئة، وهناك من صف الضباط والضباط من يسرقون قوت طعامهم، وهناك من الجنود من يستنزفون جيوب أسرهم لشراء إجازة مدتها أسبوع أو عشرة أيام، وهناك من يؤدي الخدمة الإلزامية في حضن أهله مقابل دفع رشوة كبيرة، وهناك من الجنود من يعمل ليلاً ونهاراً لدفع مرتب شهري لضابطه مقابل عدم الخدمة في الموقع العسكري. وهناك الكثير من عربات الجيش التي تفرغ من الوقود تحت جنح الظلام ليباع وينتهي ثمنه في جيوب المؤتمن على تلك العربات. أنا أعرف الكثير ممن يخدمون على خط الجبهة ممن كانوا «يشترون» الضابط بعلبتين من «المتة»، حيث هناك الآلاف من الضباط القرويين المغرمين بهذه العشبة الآتية من أميركا اللاتينية. أما ما تجهر به إسرائيل من سلاح وتسليح يقوم به الجيش السوري، وبغض النظر عن دقته أو الغاية الدفينة من ورائه، فهو لن يكون أكثر من خردة حديد بين ايدينا لطالما افتقد العسكري الشرف والأخلاق والإيمان بالدور الذي يؤديه. لن يقعنا أحد أن ضابطاً يسرق طعام الجنود الفقراء القادمين من المحافظات البعيدة يمكن أن يصنع شيئاً مع أي نوع من العتاد مهما كان متطوراً وفتاكاً وحديثاً. لن نتحدث عن «المؤسسات» الأخرى داخل الجسد السوري، كالقضاء والإعلام والتعليم، فكلنا يعرف حجم التراجع والخراب الذي وصلنا إليه. إن قضاء يسجن البريء والحر والشريف والجريء، ولا ينصف المظلوم، لا يمكن له أن يحصن الدولة ويشعر السوري بالثقة بسياسييه وقادته ونفسه. أيضاً إن إعلاماً غايته تلميع المسؤول والفاسد والتكتم على أخطائهم لا يمكنه أن يحصن المجتمع والمؤسسات الأخرى، ولن يساهم إلا في تكريس الخراب والاخطاء وتلميع الجهل والتخلف الذي نعيشه. وأيضاً أن تعليماً ينهي صاحبه عاطلاً في سوق العمل، وتعليماً يباع ويشترى لا يمكن له أن يبني مؤسسة أو يخلق جيلاً يملك القدرة على تجديد خلايا المجتمع وطرد القديم منها، إن مؤسسة تعليمية تشترط على كادرها أن يكون مخلصاً للحزب والفرد وتسمح لرجل الأمن ان يخترق حرمتها لا يمكن لها أن تبني جيلاً واثقاً معتداً بذاته ويملك الدافع للتغيير والمبادرة. إن تحرير الجولان لا يستأهل إنفاق المليارات على العتاد العسكري أو كم أفواه عشرين مليون نسمة بحجة وذريعة «الحرب» أو التهديد. إن وصفة تحرير الجولان زهيدة للغاية لكن نتائجها وإن بدت طويلة الأجل فهي مضمونة. لنحرر الجولان علينا فقط أن نجعل من الجولان قضية العشرين مليون سوري جميعاً، وفك احتكارها من الجهة المالكة وهي «الزعيم» «الفرد» و«رجل الأمن». وعلينا أن نبني مدارس جديدة نظيفة فيها مقاعد تحوي طالبين فقط أو واحداً إن أمكن وليس خمسة أو أربعة، ثم نمزق مادة التربية القومية الاشتراكية ونستعيض عنها بمادة علمية مفيدة، أو نخصص ونستبدل ساعاتها المهدورة والمكروهة من تلامذتنا باللغة الإنكليزية أو أي مادة علمية أو حياتية، أو قواعد السير على الطرقات، أو تحفيظ الدستور السوري أو القانون، طبعاً بعد تعديلهما، أو استبدال مادة «القومية» بقواعد النظافة في البيت والشارع والحي والمؤسسة العامة. أقول ذلك حتى لا ينتهي بنا المطاف كالعراق الذي كانت قيادته البعثية أيضاً تفرض على التلاميذ ذات المادة المملة الكئيبة غير المرغوبة من التلاميذ والأهل، أن نبني بثمن خردة السلاح مشافي ومراكز أبحاث ونوفد المتفوقين للدراسة في الجامعات الرصينة على أسس علمية بحتة لا أيديولوجية، كما فعلنا حين أرسلنا عشرات الآلاف من القرويين إلى دول أوروبا الشرقية بغاية سد المناصب والمواقع التعليمية والحكومية بعد إفراغها من مستحقيها، وأن نصنع سياراتنا الخاصة وآلاتنا بدلاً من استيرادها من إيران ورومانيا وغيرها، حتى بتنا مكباً لزبالة العالم الثالث، وأن نعطي أستاذ المدرسة والشرطي والقاضي والضابط في الجيش والجندي والعامل في المعمل ما يستحق من أجر، لا أن ندفعه دفعاً إلى الفساد والسرقة بعد حرمانه وتجويعه، وأن نكافئ الصحافي والكاتب المبدع الجريء لا أن ندفعه «للسفر» للخارج أو نسجنه ونفضل عليه المنافقين والأزلام، كلنا نعرف كيف يتم تشويه وضرب وإرهاب الذين يشتغلون بالكلمة في بلدنا لمجرد فضح فساد أو قول كلمة أو رأي. إن العمل على ذلك وإنجازه، سيجعل طرقات الجولان مفتوحة أمام جيل قادم من السوريين، ولن يكلف الكثير من المال والدم والانتظار. هكذا ننتصر على إسرائيل وأنفسنا ونبني دولة ودوراً ونعيش في الزمان.

مصادر
الرأي العام (الكويت)