هل باتت اسرائيل مستعدة لتوجيه ضربة عسكرية الى ايران؟ سؤال يطرح نفسه بقوة في هذه الأيام مع تصاعد وتيرة الكلام التحذيري الفرنسي الموجه الى ايران من مغبة مواصلة مشروع تسلحها النووي،ومع تكاثر الكلام في وسائل الاعلام الأميركية عن خطط وسيناريوات لضربة عسكرية أميركية. منذ بداية الجدل الإسرائيلي حول هذه المسألة برز بوضوح الانقسام في الرأي بين فئة من الاسرائيليين تفضل استنفاد الوسائل الديبلوماسية في كبح المساعي الايرانية للحصول على القنبلة النووية، وذلك بالتعاون الوثيق مع كل الدول الكبرى لا سيما الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية عبر تشديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران وتحويل الحياة هناك الى جحيم، وضرورة تجنيد كل الدول العربية المعتدلة للمشاركة في المساعي الجارية لوقف المشروع النووي الايراني كون الخطر الايراني يستهدفها مثلما يستهدف اسرائيل. ولكن في المقابل، ومنذ البداية كان هناك فئة ثانية من الاسرائيليين اعتبرت أن على اسرائيل ان تعد رداً عسكرياً خاصاً بها. ورغم اقتناع هذه الفئة بأن الحل العسكري يجب ان يكون الخطوة الأخيرة التي يصار اليها بعد أن تفشل المساعي الديبلوماسية ولا تثمر العقوبات الاقتصادية عن النتيجة المرجوة؛ فإنهم منذ بداية النزاع مع ايران وقفوا موقفاً مشككاً في فاعلية المساعي السياسية، وقللوا من احتمالات نجاح العقوبات الاقتصادية نظراً الى شبكة المصالح الاقتصادية المتشعبة والمتشابكة التي تربط بين الدول الأوروبية والجمهورية الاسلامية الإيرانية. وشددوا على ضرورة اعتماد اسرائيل على نفسها في بلورة رد عسكري رادع على الخطر الايراني من دون التقليل من أهمية التنسيق مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية المعتدلة. وساهمت حرب تموز في الصيف الماضي في تعزيز وجهة نظر الفريق الثاني من الاسرائيليين لا سيما بعد ظهور الدور الذي لعبه السلاح الايراني الذي يملكه "حزب الله" في حسم المواجهات العسكرية التي دارت بين الجيش الاسرائيلي وبين مقاتلي الحزب لمصلحة "حزب الله" وفتح أعين الاسرائيليين على حقيقة مرّة هي وجود الصواريخ الايرانية الصنع على بعد عشرات الكيلومترات من حدودها الشمالية. يضاف الى ذلك شبكة الصواريخ السورية الإيرانية الصنع والتي باتت هي أيضاً تشكل تهديداً حقيقياً لإسرائيل لا سيما لجبهتها المدنية في حال ظل وضع الاسرائيلي الدفاعي على ما كان عليه قبل نشوب حرب تموز الماضي. والراجح ان عملية اعادة بناء الجيش الاسرائيلي التي يقوم بها رئيس الاركان الحالي غابي أشكينازي والخطط العسكرية البعيدة المدى التي وضعتها هيئة الاركان العامة موضع التنفيذ لم تأتِ فقط للرد على دروس حرب تموز بقدر ما تتركز على كيفية خوض مواجهة عسكرية اقليمية ضد ايران وسوريا وحلفائهما في المنطقة. قبل يومين أعلن وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك أن عملية بناء شبكة الصواريخ الهادفة الى الدفاع عن الجبهة الداخلية الاسرائيلية على وشك الانتهاء. وفي رأي أفرايم سنيه عضو لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست الاسرائيلية والمستشار السابق لوزير الدفاع انه في حال استطاعت اسرائيل تأمين الدفاع عن جبهتها الداخلية في وجه الصواريخ الايرانية ذات الروؤس الكيميائية والموجهة الى مدنها وبلداتها تكون قد استكلمت الشرط الاساسي المطلوب للإستعداد لضربة عسكرية ضد ايران. وكل المؤشرات تدل على تمحور المساعي الاسرائيلية حالياً على توفير التمويل اللازم (تشير التقديرات الى ان تكلفة الشبكة لا تقل عن خمسة مليارات شيقل موزعة على خمسة أعوام) وعلى وضع الخطة موضع التنفيذ في أقرب وقت. ان مجرد المقارنة بين الجهد الهائل الذي توظفه اسرائيل في تحضير نفسها لمواجهة عسكرية محتملة مع ايران، والمساعي المتلكئة والخجولة التي تبذلها من اجل انجاح مساعي التوصل الى مبادىء للحل مع محمود عباس خير دليل على حجم احتمالات الحرب والسلم التي تواجهها منطقتنا

مصادر
النهار (لبنان)