ما أرعبني هو طريقة إعجاب الناس بعودة التراث إلى الدراما، وبتشكل صورة نمطية لـ"ذكور الحارات"، أو حتى لإناث مشغولات بمحيط ربما لا يتعدى دائرة قطرها مائة متر، فالطريقة التعبير عن "الذهول" من الشكل التراثي لم تكن متوقعة، رغم أنها نمت سريعا خلال أعوام "غياب الخيال" عن المجتمع، أو حتى يأسه من صورته التي تبدل سريعا مع منتصف القرن العشرين، لكنها لم تكون أي مشهد جديد.

في الدراما التراثية مثل باب الحارة أو أهل الراية مسألة تتجاوز الطابع الفني، أو قدرة المخرج والممثل والكاتب على سحر المشاهد، فمن بعض الملاحظات كنت أنساب إلى صورة "الأنثى لذاتها"، فهي كانت مقتنعة بأن الحركة الدرامية داخل مثل هذه المسلسلات تجسد واقعا مفقودا من عالمها، وربما رأت فيه صورتها ولكن بطريقة خاصة استطاعت بعض المظاهر الثقافية أن تكونها، وتنسى حركة طويلة ليس من تحرر المرأة بل من اكتشافها لذاتها، فإذا كان صحيحا أن "تحرر المرأة" في المجتمع السوري كان "فعلا نخبويا"، لكن نتائجه تسربت إلى كل الشرائح الاجتماعية، فهذا "التحرر" أضاف إلى المشهد الاجتماعي "فئات" متعددة من النساء اللواتي يعملن حتى ولو لم يقتنعن بقضايا حرية المرأة.

ما حدث كان أمرا أكثر تعقيدا مما توحيه، لأن صورة المرأة وفق الآلية التي سارت عليها في سورية على الأقل خلال نصف قرن تقدم مؤشرين:

- التقاليد الاجتماعية قادرة على استيعاب أي تطور، فحرية الحركة للمرأة أصبحت أوسع من المساحات الضيقة التي استمرت لقرون، لكن هذا التوسع لم يكن على حساب "صورتها النمطية"، بل ربما على العكس فهو ساعد على تكريسها، وأظهر أن "التساهل بالمحرمات" لا يلغيها إنما يفرضها كقيود على شخصية المرأة بالدرجة الأولى.

- الثقافة الاجتماعية لم تطور بديلا عن الصورة الذهنية للمرأة، فـ"مسارب الحرية" كانت تنتهي عند حدود الجسد الذي بقي "تابو" يصعب اختراقه، وهذا الجسد ليس تواجدا فيزيائيا فقط بل يرتبط به أيضا كل النواحي الاعتبارية مثل قرارات المرأة حتى ولو كانت ضمن حدود "الشريعة"، وربما تكفي مراجعة بعض من جرائم الشرف لنكتشف أنها حدثت إما بناء على ظنون أو حتى نتيجة زواج شرعي تم إشهاره بشكل عادي.

هذا التكوين الثقافي تم تدعيمه بـ"الردة التراثية" التي كانت أوضح داخل الأعمال الدرامية لأنها نسجت رواية منسقة تسير فيها الحياة بشكل عادي، والأنثى فيها تملك "ريادة" في محاكاة "الخيال المريض" عن الماضي القريب أو حتى البعيد، فأهمية الدراما التراثية التي أعادت أجواء الحارات أن الأنثى فيها لا تأخذ طابعا "ملحميا"، فهي شخص عادي يجدا يتسرب إلى مساحات "النسوة" بالدرجة الأولى.

هناك ثقافة اجتماعية حكمت "صورة المرأة"، وربما رسمت لها مسار "تحررها" إن صح التعبير، وربما لا نجد مثيلا لمثل هذه الحركة في تاريخ النساء لأنها "تحرر متحفظ" يريح الرجل من أعباء التفكير بتغير رؤيته للأنثى، ويريح الأنثى من دفع التكاليف الباهظة للحرية...