يعتقد البعض أن مؤتمر جنيف المنعقد اليوم حول مكافحة العنصرية تم تفريغه من محتواه، وهذا الأمر يبدو واقعيا في ظل الورقة التي تم اعتمادها وغاب عنها أمرين أساسيين: الأول هو الموضوع الإسرائيلي، والثاني "الإسلامافوبيا"، وفي نفس الوقت فإن ورقة المؤتمر تؤكد على ما جاء في وثيقة ديربن1 وهو ما يجعل مسألة "عنصرية إسرائيل" مسألة مستمرة.

لكن اللافت للنظر أن هذا المؤتمر الذي يشكل مساحة لعمل منظمات المجتمع المدني بقي على هامش البحث حتى من قبل السياسات الرسمية، حيث ينتهي الحديث عنه في مسألة بيانه الختامي أو الموقف الرسمي منه وعلى الأخص مقاطعة الولايات المتحدة أو حضور الرئيس الإيراني فعالياته، رغم أن هامش المؤتمر يشكل أكبر تجمع "ضد الصهيونية"، وربما يقدم ساحة حوار أساسي لرؤية العالم من وجهة مختلفة، وهذا الأمر هو الذي يجعله خارج سياق اهتمام السياسات الرسمية لاعتبارين:

- الأول هو أنه يحمل اتفاقا مدنيا ضمنيا تجاه "شخصية" العدو الإسرائيلي، في وقت لا تتفق الجهات الرسمية العربية حول هذا الموضوع، أو على الأقل لا تطرح هذه المسألة كإشكالية في تعاملاتها السياسية تجاه قضية الاحتلال أو التسوية أو حتى المبادرة العربية، فالسياسات العربية تفتقر لمعايير واضحة في تحديد استراتجياتها، بينما يكشف الموقف خارج أروقة الاجتماعات في جنيف عن رؤية أكثر وضوحا في مجال "الاحتلال الإسرائيلي".
- الثاني مرتبط بالالتزام بمسألة تفكيك العنصرية، وهو موضوع لا يرتبط فقط بالعدو الإسرائيلي، لأنه موضوع مركب من الصعب تركه للجهات الرسمية فقط كي تتعامل معه، فهامش مؤتمر جنيف يحتاج إلى منظمان مدنية تملك آلية حركة داخل المجتمع، وترصد السياسات الخاصة بعمليات التمييز سواء كانت ضد المرأة أو الدين أو الأعراق، أو حتى تجاه التيارات السياسية المختلفة، وهذا الموضوع يبدو أنه يقع في مساحة رمادية داخل العالم العربي إجمالا، فمنظمات المجتمع المدني متداخلة مع العمل السياسي، والعمل السياسي يسعى لاحتكار عمل هذه المنظمات. بالطبع فإن مؤتمر جنيف لن يقوم بأي نقلة إضافية على مساحة الصراع، فأهميته ستبقى غائبة ليس لأنه مقاطع رسميا من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية، بل أيضا لأنه بعيد عن ثقافتنا الاجتماعية التي ربما لم تبدأ بعد بخلق طيف عملها بعيدا عن السياسة الرسمية، في وقت تبدو فيه السياسة الرسمية على المستوى العربي مقتنعة بأنها تقدم التعبير الأفضل عن المجتمع!

المؤتمر الذي سيستمر يومين سيبقى ورقة في تاريخ العلاقات بين المجتمعات، وربما في ذاكرة العمل المدني، لكنه في النهاية هو محطة إضافية لنوعية الفرص الضائعة التي نشهد فصولا دائمة لها في تاريخنا المعاصر...