بين ميتشل ومؤتمر فتح

هناك ما يربط بين تصريحات جورج ميتشل، المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، لصحيفة نيويورك تايمز ومؤتمر حركة فتح مع ما أثير حوله من ضجة، فميتشل حاول أن يقدم إيحاءات بأن السياسة العربية "غير معلنة"، وأن نية "التطبيع" متوفرة ولكنها تنتظر "الظرف السياسي" الخاص بالتسوية، في المقابل فإن مؤتمر "حركة فتح" حمل نفس مساحة التناقض، ولم تكن المسألة في الخلافات "الإستراتيجية" بين فتح وحماس، بل أيضا في نوعية المؤتمر الذي أنهى عمليا "حقبة سياسية".

عمليا فإن تصريحات ميتشل لم تكن تتحدث عن الطرف الفلسطيني، وهي حاولت تقديم إيحاء مرتبط بـ"النظام العربي" وموقفه من مسألة التطبيع، وهو أمر أراد منه المبعوث الأمريكي إظهار درجة التعقيد التي تلف مسألة التسوية ككل، حيث لا تظهر الأزمة في النوايا السياسية العربية، بل في الحذر الذي تبديه السياسة الرسمية تجاه موضوع "التطبيع"، لكن في نفس الوقت فإن هذا الحذر يتشكل أيضا حتى داخل الأروقة السياسية للتيارات والأحزاب، وتقدم فتح نموذجا واضحا في هذا الإطار، فمؤتمراها يعكس مؤشرين أساسيين:

- الأول محاولة "الإبقاء" على الصورة الخاصة بفتح كحركة تحرر وطني، وإخراجها في الارتباط الوثيق بـ"السلطة" الوطنية الفلسطينية، لكن هذه المحاولة تحمل تناقضا صريحا على الأخص فيما بتعلق بالخلاف ما بين فتح وحماس، فالمسألة ليست في صورة حركة فتح فقط، بل أيضا في أنها النواة التي تم عليها تأسيس كافة أجهزة السلطة.
- الثاني هو نوعية التحرك في مقولة "التسوية" بعد أوسلو، فميتشل لم يحمل من الجانب الفلسطيني سوى الأمور الإجرائية أو حتى المواقف المتعلقة بـ"خارطة الطريق"، في وقت يقدم مؤتمر الحركة صراع تيارات وينعقد بجلسات مغلقة معاكسة للشفافية التي ظهرت عليها الحركة في البداية كـ"حركة تحرر وطني". في مؤتمر فتح صورة واضحة تتسع عن إطارها الفلسطيني الخاص، لأن "فتح" عبرت في مراحل تاريخية عن اتساع الرؤية للمجتمعات العربية، فهي كانت تمثل "طموحا" أوسع من فلسطين، وهي التي ربطت واقعيا بأن القضية الفلسطينية وباقي القضايا العربية، وربما جعلت فلسطين في ستينيات القرن الماضي نقطة ارتكاز لكافة المسائل الأخرى، فهي في النهاية شكلت مسارا سياسيا لا يمكن قراءته فقط بما يحدث اليوم داخل مؤتمرها.

أزمة التسوية مع ميتشل هي نفس أزمة فتح كحركة تحرر وطني مع وجودها إلى جانب السلطة الوطنية الفلسطينية، ففي كلتا الحالتين هناك "تحول" سياسي غير معلن، أو عدم قدرة على الحديث بشكل علني عن "التبدل" الذي ضرب فتح أو السياسة العربية عموما، وهذا الأمر ليس "أزمة ضمير" تمنع عددا من السياسيين من إعلان نواياهم تجاه مجتمعاتهم، بل هي في صلب الآليات السياسية التي فشلت في التحرك مع مطالب التحرير وتتعثر اليوم أمان حركة التسوية لأنها لم تحدد استراتيجية واضحة لمستقبل هذه العملية التي على ما يبدو يتم اختصارها فقط في "التطبيع"