المقاربة التي فتحتها مباراة القدم بين الجزائر ومصر تشكل مقدمة ظهرت بشكل مفاجئ، وربما بالمصادفة، لإعادة رسم المعرفة السياسية ولكن عبر سياق اجتماعي، فالمسألة لم تكن "حرب إرادات" وهي أيضا لن تمس الأمن الاجتماعي، ولا تقع على حدود صراع المفاهيم، فهي مجرد مباراة كشفت القدرة على التسييس واستخدام "التراث السياسي" خارج أي سياق مجتمعي.... المعلق المصري ذكرنا بان مصر ساعدت الجزائر في عملية تحررها من الاستعمار الفرنسي، والمعلق لم ينس الحديث عن الثقل الخاص بمصر في القارة الأفريقية، ورغم أننا لم نسمع ما قاله المعلق الجزائري لكنه بالتأكيد تحدث بشكل أو بآخر بنفس الطريقة، ضمن عملية خلق تتداخل فيها السياسة مع السياق المدني أو الأنشطة المدنية التي على ما يبدو لم تخرج من إطار الإحساس بالعصبية القبلية داخل ثقافتنا. وعلى ما يبدو أننا شعوب "مسيسة" بأعلى المعايير، وهذا أمر لن يصبح مزية دون اعتماد "السياسة" بسياق مفهومها المعاصر، وبالخروج عن منطق التبيعية للراعي الذي يجسد في النهاية داخل الثقافة الأبوية خلاصة للمجموعة البشرية التي تعيش بظله، فالرياضة كما تجلت في سياقها الأخير بمباراة مصر والجزائر لم تكن تحمل هذا المعنى بشكل مباشر، لكنها أخرجت هذا المخزون الثقافي، وحملت شكلا من "الصراع" الذي يوحي بـ"تناقض سياسي"، دفع أيضا المعلق الرياضي لتهنئة "جمال مبارك" الذي حضر المباراة. بالطبع فمعظم المباريات المفصلية يحضرها السياسيون، لكننا نادرا ما نسمع التهاني من قبل المعلقين والمحللين تنهمر على السياسيين بسبب الفوز، فالحضور لا يشكل ظاهرة سياسية بل دعم معنوي مدني بالدرجة الأولى، في المقابل فإن الإعلام كحالة مدنية ينغمس تلقائيا بالحدث الرياضي، وفي نفس الوقت يقرأ الاحتمالات ويغطي حوادث الشغب، إلا أنه في نفس الوقت يبقى عند حدود الحدث الرياضي كنشاط مدني.... المعرفة السياسية تعبر عن سوية اجتماعية، والحملة الإعلامية التي دارت بين مصر والجزائر، إضافة لعمليات التعبئة والاستقطاب، لا تختلف كثيرا عن الحملات الإعلامية نتيجة الحرب في اليمن، وتذكرنا أيضا بالحالة التي سادت بعد اغتيال رفيق الحريري، وتقودنا التعبئة التي أخذت مظهرا مدنيا وسياسيا بما حدث خلال حرب 2006 وحرب غزة أيضا، حيث انقسم المثقفون كبداية لانقسام المجتمع عموما"، فهذا النوع من المعرفة السياسية يسبح خارج الهوية بمفهومها المدني ويهوم في تفسيرات التراث أو حسابات فردية بغض النظر عن المصلحة الاجتماعية. الأهم هو أن التجليات السياسية لأي فعل أو حراك مدني تعبر عن مجتمع مأزوم، وهو في نفس الوقت لا يحاول بناء معرفته الاجتماعية وتحديد هويته قبل أن ينتقل الى السياسة... فيصبح التعبير عن إرادته أو مصلحته خارجا عن أي إطار حديث ثم يصب في "المعرفة القديمة" إذا صحت تسميتها بالمعرفة....