هو المفصل ما بين الانتقال إلى المصلحة التي تحمل هويتنا كأفراد نملك "إرادة" لبناء أنفسنا، فعندما نقرأ المجتمع نعرف أننا أمام عملية "حديثة" بكل ما تحمله كلمة الحداثة من معرفة جديدة، حيث لا مساحة للهدوء أو التوقف عن التفكير في عملية "الإنبناء الذاتي" حسب تعبير ميشيل فوكو... هي مسألة بناء تفرضها بداية الوعي المجتمعي، وبداية تكريس المعرفة التي تجعلنا نعترف بالآخر كشريك لنا في المصلحة، وشريك أيضا في مستقبل الحياة، وفي النهاية شريك في "المدنية" التي تبدو اليوم مختلفة تماما عن كل المصطلحات التي ظهرت في العصور القديمة أو الوسطى، فالثقافة المدنية ليست فقط تلك التي نشأت في المدن، بل أيضا هي قدرة البشر على تحديد مصالحهم وإيجاد المؤسسات الخاصة بها، وربما من هذه الزاوية يمكن أن نعرف كيف يصبح المجتمع من زاوية المعرفة الحداثية "قوة"، وكيف تنتهي التجمعات البشرية من مساحة "التجمع" إلى "المجتمع" الذي يمنح هوية للمواطنين بنفس القدر الذي يمنح المواطنين كأفراد هويتهم لهذا المجتمع. والمسألة أيضا ليست قرارا سياسيا، أو إجراءات يمكن أن تدخل في الخطط الحكومية، فالتأسيس النظري لها يمتلك أهمية أساسية، وفي نفس الوقت إعادة قراءة الواقع وذلك بغض النظر عن البحث في "شرعية التفكير"، إو إيجاد فتاوى تبيح لنا رسم "الحداثة" التي يمكن أن تنتقل بنا باتجاه "بنى" اجتماعية جديدة. في الحديث عن "الحياة المدنية" سقف لا علاقة له بسياسة، بل بحرية التفكير بكل مصادر المعرفة التي نمتلكها، أو حتى المرجعيات المعرفية التي تحدد لنا "الحق" و "الباطل" بغض النظر عن الزمان والمكان المتغيرين باستمرار، فعندما نبدأ ببناء معرفتنا الجديدة فإننا لا نحتاج للأقراص المدمجة التي تملئ المكتبات، ولا لعمليات الوعظ والإرشاد، ولا حتى لنصائح حول "حرية المرأة"، فهي كلها أمور علينا رسمها من جديد، وتحديد مصلحتنا فيها وامتلاك الإرادة لتحقيقها، فكل مصطلحاتنا اليوم لم تعد على مساحة الاختبار، لأنها أصبحت "دكاكين" ثقافية أو سياسية أو حتى دينية. المجتمع معرفة.... والمجتمع جرأة في امتلاك هذه المعرفة... والمعرفة قوة لأنها صنيعة إرادتنا وقدرتنا على تجاوز المألوف والاتجاه نحو الإبداع الذي يرسم لنا آفاق لم تكتشف بعد، وربما علينا أن نتحلى بالمغامرة حتى نستطيع القفز فوق هذا الحاجز المعرفي الذي يجعل التراث وكأنه نهاية المطاف، أو يجعل من الحداثة نوعا من الغرابة أو المخاطرة، فالقفزة لن تلغي التراث، وهي أيضا لن تعفينا من دفع ثمن التحول نحو الغد لكنها على الأقل ستمنحنا المعرفة... ستمنحنا مجتمعا يعرف هويته ويعرف أن مصالحه في النهاية هي في بقائه واستمراره وقدرته على التطور، لأن المجتمع معرفة والمعرفة قوة....