لماذا اختار "الرئيس الإسرائيلي" بريطانيا ليتحدث فيها عن ادعاءاته بشأن صواريخ سكود؟ ربما كانت مناسبة عاجلة أو ظرفا خاصا ولكن الاهتمام البريطاني أو على الأقل الإعلام البريطاني مستمر بنسج خيوط "الرواية"، وفي فصلها الجديد هناك "صور من الأقمار الصناعية" التي أضافتها مجلة التايمز إلى مجمل السيناريو، لكن السؤال يبقى قائما، فعملية الاختيار التي قام بها "بيريس" ليست أمرا عابرا، وربما ترتبط بنوعية البيئة التي توفرت حيث تتداخل فيها مجموعة من العوامل. ربما كان من المنطقي أن يتم تسريب المعلومات إلى الصحافة الأمريكية، فهي الحليف السياسي الأقوى، وفي المقابل فإن اللوبي الإعلامي والسياسي الإسرائيلي فيها أكثر حضورا وفاعلية، لكن سيناريو "الصواريخ" ربما لم يكن ليتفاعل لو أنه ظهر داخل الإعلام الأمريكي، وعلى ما يبدو فإن أوروبا ستبقى المكان المفضل لمثل هذه المواضيع سواء عبر ""ديرشبيغل" أو "التايمز" أو حتى "السانداي تايمز". في أوروبا يمكن أن يشتعل الجدل لأن ما يطلق عليه "الصحافة القومية" هي في النهاية المؤثر الأقوى في الرأي العام، بينما ينهار هذا الأمر في "الإعلام الأمريكي" الذي تتأخر فيه القضايا الدولية باتجاه الصفحات الأخيرة، وهو ما يجعل إثارة "روايات" مبتكرة أمرا صعبا ما لم تمس شأنا أمريكيا خاصا، لكن العوامل الإضافية على هذا الشأن موجودة أيضا في تفاصيل السياسة الأوروبية، ويمكن ملاحظة أمرين أساسيين: الأول أن السياسة الأوروبية التي تحاول خلق مسار مواز للتحرك الأمريكي في الشرق الأوسط تسعى دائما للتعامل مع نتائج السياسة الأمريكية، وفي النتائج تتفاعل "الروايات" أو تصبح مجال حراك سياسي مستمر يتطور أحيانا بشكل مذهل كما حدث بعد الاعتداء الإسرائيلي على سورية وظهور ما يسمى بـ"الملف النووي السوري"، فالمستوى الثاني من الهيئات الدولية التي لا تخضع بشكل مباشر لتوجهات مجلس الأمن يبدو الدور الأوروبي مؤثرا، فهو قادر على خلق "الحشد" سواء في مسائل التصويت أو مشاريع القرارات وغيرها. الثاني توفر بيئة سياسية في أوروبا لا يوجد مثيلا لها في الولايات المتحدة، فالقضايا المطروحة في أوروبا تدخل في مساحة من البحث قبل أن تصبح مادة للتصريحات السياسية، فـ"صراع تل أبيب" يبدو في أوروبا خطوة لكسب السياسة ولخلق آليات إضافية، بينما في الولايات المتحدة هو إجراء سياسي لفرض أمر واقع عبر مواقف من البيت الأبيض، وعندما "يتوقف" الإجراء السياسي" الأمريكي فإن أوروبا تظهر بسرعة أمام "القيادات الإسرائيلية". المساحة الأوربية التي تبدو أقرب لجغرافية الشرق الأوسط لن تشكل بديلا بالنسبة لـ"إسرائيل" لكنه على ما يبدو الأكثر إثارة للجدل وربما للتعامل وفق منطق "الرأي" العام للحد من تأثيرات بدأت تظهر منذ حرب غزة.