المسألة التي تظهر اليوم هي في حدود الدور التركي الذي بات مزعجا بالنسبة لـ"إسرائيل" على وجه التحديد، فتركيا لم تقم بـ"ملئ الفراغ" إنما قامت باستعادة "واقع حيوي" بقي غائبا، ومثل في أحد جوانبه اختراقا استراتيجيا للمنطقة، في وقت كان غياب هذا الدور يشكل نوع من انكشاف المنطقة، أو دخولها في صلب الصراعات الدولية، فالموضوع الأساسي هو في الشكل الذي يمكن أن يأخذه الشرق الأوسط مع تثبيت الدور التركي من جديد. بالطبع فإن تطور الحدث السياسي يغلب عليه أحيانا "النظرة" التاريخية، لكننا اليوم أمام دور تركي وليس عثماني، والإسقاط التاريخي هو في النهاية لقراءة عوامل إضافية لما يحدث اليوم، لكن حزب العدالة والتنمية أو أي "حزب إسلامي" آخر في تركية هو ليس وريث السلطنة، إنما امتداد لـ"الدولة الحديثة" التي ظهرت لاحقا ولاحتياجاتها التي تطورت وتفاعلت مع كل أزمات الشرق الأوسط. عمليا فإن النظر إلى ما تقوم به أنقرة كحالة "تعويضية" عن الغياب العربي سيؤدي إلى نتائج مختلفة مقارنة بالنظر إلى هذا الدور كشكل طبيعي وضروري، وفي المقابل فإن التعامل معه يبدو متباينا لأنه مازال خاضعا إلى التصور الخاص الذي يحكم الشرق الأوسط، وإلى اعتبار الخارطة الجغرافية هي مجال منازعات تمنح هذا "الشرق" سماته الأساسية، وفي هذا الموضوع يمكن ملاحظة أمرين أساسيين: الأول: أن الدخول التركي جاء وفق سياق الاختلال في توازن الشرق الأوسط، فتركية نفسها كانت "مهددة" في مرحلة ما بعد احتلال العراق، وهي أيضا كانت تقرأ النتائج المترتبة عن الدخول العسكري الأمريكي، فالموقف الحالي يمكن تفكيكه وفق تطور يدخل فيه تحول دور أنقرة مع انتهاء الحرب الباردة، ومن جهة ثانية إغلاق وسط آسيا بالنسبة لتركية نتيجة التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان وما نجم عنه من علاقات بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في تلك المنطقة مع الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية. الثاني: العامل التركي يرى الشرق الأوسط كما هو اليوم، ويتعامل مع عناصره بغض النظر عن الاحتكاك مع النظام الدولي، وهذا الأمر هو الذي يدفع أنقرة نحو "فرض التوازن" لأنه الوحيد القادر على تأمين فاعلية لدورها، فهي كانت قادرة على تجاوز المخاوف المتعلقة بـ"إيران النووية" رغم أن هذا الأمر يمكن أن يؤثر على موقعها في المنطقة، وتعاملت مع الحلول القادرة على تثبيت توازن في هذا الملف. حدود الدور التركي اليوم ليست في تماس مع "النظام العربي" بل هي أكثر من ذلك، لأنها لا تملك عوامل قوة غير "فرض التوازن"، فليس هناك صراع على "النفط" لكنها عقدة اتصال لكل "أشكال الطاقة" وهو أمر يجمعها بسورية ويجعل مسألة التوازن تدخل في صلب سياساتها حتى ولو بقي البعض ينظر إليها كعامل "يسد الفراغ" نتيجة "الغياب العربي".