هناك أامر واحد مؤكد هو أن المسار اللبناني - السوري تحول، ولكن السؤال إلى أين؟ وكيف يمكن أن يكون هذا التحول حدث بالفعل وقاعدة "الحلفاء" إن صح التعبير لم تتبدل كثيرا، بل إن البعض يرى أنها تعود سريعا باتجاه المراحل السابقة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، والآليات السياسية توضح أن موقع لبنان بالنسبة لسورية ربما أصبح مختلفا، رغم أن الاهتمام بالعلاقات بين البلدين لم يفتر، فالمسألة على ما يبدو بالنسبة لسورية خرجت عن المعادلة الكلاسيكية، واتجهت نحو ترتيب آخر ربما تظهر نتائجه في القريب العاجل. عمليا فإن البعض يؤرخ للحقبة الجديدة بخروج القوات السورية من لبنان، وهو أمر أدى بالفعل لحالة جديدة في لبنان، لكن النظرة السورية ربما تأخذ بالحسبان أمرين أساسيين: الأول أن القلق السوري من لبنان هو من نوعية الجغرافية - السياسية، فالتوتر يأتي وفق أوضاع إقليمية خاصة، وبغض النظر عن التفاصيل التي تظهر أحيانا وكأنها "حزازات" تاريخية، لكن التجربة السورية توضح أن التفاعل مع الوضع اللبناني يظهر في مراحل "الحصار الإقليمي"، وعلينا هنا تذكر بعض التوترات في أواسط لخمسينيات والستينيات ثم ظروف التدخل السوري في السبعينيات، فترتيب الخارطة الإقليمية والتي غالبا ما تأتي من "المحيط" السوري تفرض واقعا لبنانيا - سوريا خاصا. الثاني مرتبط أساسا بالصراع العربي - الإسرائيلي، فالمسألة هنا هي "تعقيد المهام الإسرائيلية" أكثر من كونها فتح جبهة ضد "إسرائيل" عبر لبنان، فبالنسبة لدمشق يتشكل مشهد الصراع بمجموعة من العوامل ولا يقتصر على موضوع فتح الجبهات العسكرية، وهو ما يبدو اليوم بحالة الانفتاح الإقليمي سواء عبر تركية أو حتى إيران، وهي عوامل تعيد رسم الحسابات الخاصة بالصراع، فلبنان الذي سيبقى منطقة تجاذب دولي إقليمي سيضاف إليه اليوم عمق استراتيجي آخر عبر تركيا، وهو ما يجعل دمشق تتعامل بواقع أكثر انفتاح وربما مرونة، طالما أن "تعقيد المهام الإسرائيلية" متوفر عبر التوتر الحاصل بين تركية و "إسرائيل". بالطبع فإن الحديث اليوم عن المجلس الأعلى السوري اللبناني أو "المحكمة الدولية" أو غيرها من العناوين يبدو قديما، لأن الترتيبات الإقليمية لم تعد مقتصرة على أدوار باتت على ما يبدو قديمة، أو حتى "محصورة" في إطار سياسي واحد، وهو ما يجعل العلاقات بين دمشق وبيروت مفتوحة على احتمالات جديدة لا تحمل بالنسبة لسورية على الأقل "القلق" السابق، والحركة السياسية بين البلدين تتمركز على محور جديد يمكن، في حال الاستفادة من الظرف الإقليمي، أن تؤثر بشكل فعال في المعادلة الإقليمية التي تتبلور ولو بشكل بطيء.