قراءة الاحتمالات تبدأ من موضوع السلام، فقضايا التسوية شكلت من ثمانينات القرن الماضي ظاهرة دولية إن صح التعبير، وخرجت عن المفاهيم المتعلقة بحل النزاعات كما عرفتها المنظمات الدولية، على الأخص أن القرارات الدولية بشأن الصراع العربي - الإسرائيلي فقدت أي مرجعية بحكم الزمن أو ربما تراكم الحدث السياسي. وعندما نتحدث عن ظاهرة فإننا نقف عند مساحة تأثيرها على البنية السياسية للشرق الأوسط وليس فقط قدرتها على الوصول للأهداف المرتبطة باسمها كـ"ظاهرة" من أجل السلام، لأنها في النهاية تشكل تحركات دولية أكثر منها سعي من طرفي المعادلة (العرب وإسرائيل) لبناء حالة جديدة فيما بينهم، وفي المشهد العام فإن "ظاهرة السلام" أنتجت عناوين سياسية بالدرجة الأولى، ثم شكلت آلية كانت قادرة على صياغة عمليات فرز داخل المنطقة، ابتداء من خروج مصر من "الصراع"، وانتهاء بمعادلة المعتدلين و "الممانعين"، علما بأن كل الأطراف تتحدث دائما عن السلام العادل والشامل. عمليا فإن النقطتين الأكثر ظهورا في مسألة التسوية تبدوان في: أولا بقاء السلام كحالة ذهنية ممتدة جغرافيا، فالسلام مبني أساسا على خلق تحول عام داخل الشرق الأوسط، وهذا ما اتضح في نزعة "شمعون بيريز" في تسعينيات القرن الماضي عبر كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، علما أن هذه النزعة تمت على مساحة من التحول بعد عاصفة الصحراء ومن بعدها مؤتمر مدريد. ولاحقا كانت التصورات الخاصة بالشرق الأوسط الكبير قبيل احتلال العراق. فـ"السلام" هو تصورات لاحقة لأحداث سياسية، لكنه في نفس الوقت يشكل قراءة في احتمالات الشرق الأوسط أكثر من كونه "إرادة سياسية" في يمكن أن تشكل واقعا ملموسا. الثاني السلام كبعد استراتيجي لاختراق الشرق الأوسط، وهذا الموضوع ربما تنبه له هنري كيسنجر منذ البداية، حيث كان قادرا على تفكيك المعادلة السياسية الخاصة بالصراع، دون أن يعني ذلك الوصول إلى السلام، وإذا كان هذا الأمر ممكنا في سبعينيات القرن الماضي، فإنه يبدو معقدا أمام جورج ميتشل في جولاته، فعملية الاختراق اليوم تتم على أكثر من جبهة، والعوامل الإضافية تزيد تعقيد مهمة ميتشل، فهناك أطراف كثيرة تريد استخدام السلام (سواء كانت معه أو ضده) لإعادة رسم الأدوار والتأثير على المعادلة الشرق أوسطية. ما حققته سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما هو "التجميد"، علما أن العديد من الخبراء توقعوا قبل تسلمه أن غايته "التجميد" نظرا لتعقد المسائل الإستراتيجية أمام الولايات المتحدة، لكن السؤال يبقى في مواجهة "الهدر السياسي" من قبل العرب على الأقل: هل ستبقى مسألة التجميد مستمرة؟ بالتأكيد فإن "ظاهرة السلام" لن تنهار من تلقاء نفسها، وهي حققت التحول في بنية الصراع، لكن الاستمرار في الحراك السياسي دون نتائج هو الكفيل بدفع "إسرائيل" نحو إعادة المحاولة للتحكم بالمعادلة، لأن سياسة "التجميد" لا يمكن أن تستمر طويلا في ظل تطور عوامل إضافية، أو بحكم مرور الزمن على ولاية الرئيس الأمريكي الحالي،وعندها فقط ستظهر الاحتمالات الجديدة، وهي عسكرية بكل تأكيد، لتبدأ دورة جديدة في "ظاهرة السلام" وفي الهدر السياسي العربي، ولكن على قواعد مختلفة تتبع نتائج "ما بعد التجميد".