الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل شبه ما قدمه السيد حسن نصر الله في مؤتمره الصحفي بروايات جيمس بوند، وربما لم يكن يعرف أن قصة "الجاسوسية" ستخرج من مكان آخر بعد أيام قليلة من خلال رواية قدمتها يديعوت أحرنوت على صفحاتها، فأحداث ميخائيل بار زوهار و نيسيم مشعال حول الاعتداء الإسرائيلي على سورية لتدمير ما أسمياه "مفاعلا"، تحمل معها المشهد من "المقلب" الآخر، حيث لا "وثائق" أو حتى "مصادر" يمكن التأكد منها، بل جملة أحداث تُكمل على ما يبدو بانوراما "الصراع الخفي" لكنها في نفس الوقت تحمل إشارات سياسية أيضا بغض النظر عن صحة تلك الأحداث. عمليا فإن مناقشة الكتاب لا طائل منها، فإضافة لمسألة الترجمة هناك تسلسل في الأحداث لا يقدم قرائن على طريقة الأمين العام لحزب الله، بل أسرار تحولها التفاصيل إلى صورة ذهنية خاصة بحركة "إسرائيل" أو حتى بمجريات الصراع، فأغراض الكتاب تحتاج بالفعل لتوقف طويل أمام الشكل الذي انتقاه "الكاتبان" لتقديم هذه الأسرار، ولكن المهم حالة العرض التي تريد "إثبات" حالة "الانكشاف" لعالم ترسمه الافتراضات السياسية بعيدا عن "معالجة الوقائع"، أو التحقق في عالم يبدو أن الإعلام فيه هو الذي يقرر أبعاد "الحقيقة" ونتائجها. بالطبع فإن مسألة "النووي السوري" انتقلت عبر فصول هذا الكتاب إلى واقع دولي، يؤكد التصور الذي قدمه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن حول تقاسم العالم بين محاور الشر والخير، وتؤكد أيضا الترابط ولو عبر رواية دون وثائق بين أطراف الحرب التي شنتها الولايات المتحدة منذ عام 2001 على جبهات متعددة، فحتى ولو لم يكن غرض الكتاب إيجاد إثباتات للمنهج السياسي الذي قدمته إدارة بوش الابن لكنها شكلت إطار الرؤية السياسية عبر "سلة" من الأحداث. السؤال المطروح بعد هذا "الكشف" الذي قدمته "يديعوت أحرنوت": هل العالم "جملة من الأسرار" التي يمكن للإعلاميين كشفها في الوقت المناسب؟ عمليا فإن تفاصيل الرواية تسقط عند محاولة البحث عن أي إجابة داخل التفاصيل التي تم تقديمها، لأننا أمام محاولة "جزم" سياسي وليس مجرد تقديم إثارة لقارئ يتمتع بحالة لن يصادفها في حياته العادية، فالقدرة "الخارقة" لأجهزة الاستخبارات ولصور الأقمار الصناعية، مترافقة مع تصريحات سابقة حول أبحاث وصناعات وعد بينيامين نتياهو بتطويرها لتصبح الأقمار الصناعية أصغر، ستصب في ساحة المعركة المستقبلي، فقيمة التجسس ليست في تلك الرواية حول "النووي السوري"، لأنها "قصة سياسية" لكنها في نوعية الصراع الذي يسير دائما باتجاهات غير متوقعة. المسألة ليست في "مجموعة أسرار" يتم كشفها، إنما في المفارقة ما بين الخطوط السياسية التي تسير وكأنها غير معنية بالصراع، وطبيعة الحرب المستقبلية التي لا تقف عند حدود "الرباعية الدولية" و "المبادرة العربية" أو حتى حل الدولتين، ففي كل هذه الخطوط لا تستند السياسة إلى قوة حقيقية على الأرض، فالصراع يسير باتجاه محدد يمكن قراءة إشارات حوله من خلال "الكتاب أو الأسرار" التي كشفتها يديعوت أحرنوت بغض النظر عن صحتها، فالنتيجة على ما يبدو هي نفسها" نحن مرصودون بمعادلاتنا السياسية مهما حاولنا أن نتحلى بنفاذ البصيرة، ونحن نملك السياسة ... ربما... لكننا نحتاج إلى أمور أخرى تجعل للسياسة نتائج واضحة.