بعض الأوساط الأمريكية تعتقد أن إدارة أوباما حققت اختراقا أهم مما حققه جورج بوش الابن في صراعه داخل الشرق الأوسط، وهي تستشهد بمسألة المحاور التي لم تعد واضحة ما بين "الاعتدال" و "الممانعة"، إضافة لما حدث في الداخل الإيراني بعد الانتخابات الرئاسية، والمشهد عشية الانتخابات التشريعية النصفية في الولايات المتحدة لا يبدو أنه يميل للديمقراطيين، رغم أنهم حاولوا امتصاص الأزمات المتلاحقة، وتحركوا أيضا على ملفات الشرق الأوسط ولكن بطريقة ربما لا تحمل الكثير من التحول ولكن بآليات مختلفة. وترى نفس هذه الأوساط أن الضغط الجديد ضد سورية وإيران لا يعبر عن "الفشل" في إبعاد طهران عن دمشق لأنه موجه أساسا ضد محاولات تغيير المعادلة اللبنانية التي قامت مع ظهور القرار 1559 ثم المحكمة الدولية، لكن هذه التفسيرات المتفائلة وإن كانت تملك ما يبررها إلا أنها تبتعد قليلا عن صورة العلاقات الإقليمية عموما، فما يحدث اليوم ربما يصعب تفكيكه لأنه لا يحمل "حلا توافقيا" حسب البعض، وهو أيضا لا يعكس نوعية التوازنات الإقليمية التي تظهر غالبا في العلاقات اللبنانية الداخلية، لكنها مرتبطة اليوم بالموضوع العراقي، وهناك ثلاث نقاط يمكن قراءتها في ظل التشابك الحالي: الأولى أن شكل التوافق العراقي مهما كان نوعه سيتيح للأدوار الإقليمية التبدل أو حتى التطور، وبالتالي فإنها ستتجه نحو أزمتين أساسيتين هما فلسطين ولبنان، لذلك فإن أي تحرك سياسي سعودي أو إيراني أو حتى سوري يعرف تماما أنه يتعامل مع "طرفي أزمة" وهو أمر يفسر المبادرة السعودية تجاه العراق في ظل تعثر التوصل لحل في لبنان، ويفسر أيضا "الهامش السياسي" السوري تجاه الأطراف العراقية، والتنسيق مع انقرة وطهران في وقت تم إشعال مسألة القرار الظني في لبنان. الثانية أن طهران تملك قضية إقليمية حاسمة في مسألة دورها الإقليمي، فملفها النووي جوهري في تثبيت حضورها المستقبلي، والتطورات التي يمكن أن تطرأ عليه ستنعكس باتجاهات مختلفة، فزاوية طهران مرتبطة باعتراف دولي بأنها "قوة موازية" على الأقل لقوة أخرى مفروضة، هي "إسرائيل" في الوقت الحاضر، وهو أمر يجعل دورها محسوبا في اتجاهات مختلفة. الثالث هو الرؤية السورية التي تبدو من المؤشرات على الأقل أن اتفاقها مع طهران لا يتعلق فقط بأولويات الصراع مع "إسرائيل"، بل أيضا بمسألة التحكم بالأزمات في المنطقة، فظهور علاقات مختلفة تاريخيا على طول "خطوط الصدع القديمة" ما بين إيران وتركيا أو حتى العراق وإيران وأخيرا تركيا وسورية يشكل بحد ذاته مساحة سياسية مريحة بالنسبة لدمشق، التي تعرف أن مأزقها الأساسي كان دائما عبر محاصرتها بالأزمات. الرؤية السورية متوافقة عبر المؤشرات مع توازن إقليمي بوجود إيراني وتركي قادر على تأمين انهيار الجبهة الغربية بعد خروج مصر من المعادلة الإقليمية، إضافة لجعل الجزيرة والخليج العربي ضمن اهتمام آخر مرتبط بالحرب على الإرهاب بوجه خاص، وربما سيبقى الرهان في المدى المنظور لدى عدد من الدول الإقليمية على إعادة المعادلات القديمة، وهو أمر لا يمكن أن يتم بشكل سلسل أو تقليدي، فالأدوار المكتسبة من المحيط العربي ظهرت ضمن تحولات عنيفة ابتدأت بالانكفاء المصري وإعادة فتح الجبهة العراقية الإيرانية وانتهت باحتلال العراق.