منسية وسط البحث عن ركام آخر، ثم مكتوبة في تفاصيل الوجوه المرهقة من تعب الحصار، لكنها تبقى "غزة" التي ترحل بعيدا رغم أنها تاريخ قديم، أو حدث مستقبلي ينتظر الخروج عندما تأذن "السلطات" له. وفي غزة يبدأ البحث من الصباح عن ملامح المدينة، وعن الحكايا المخبأة ما بين البحر وصحراء النقب، فأنبش في ملامحها عن بهجة العيد المخبأة خلف سواد النقاب، أوبين ملامح "المستور" الذي أستطيع اكتشافه بحدس الأنثى، فالعيد يغير من تركيبة البصر والبصيرة، ويزودني بجهاز معرفي مختلف يمكنني من الحفر خلف قدرة الوجوه على رسم اللامبالاة. أتلفح بالشوارع وأمتطي الأبنية، وأحاول أن أجعل من تضاريس المدينة لوحة مختلفة لكنها منقوشة على جلدي، فلم أحلم يوما أن يتحول جسدي لمدينة، وأن يصبح وجهي نسمة بحرية تخترق الحصار، وتتجاوز المعابر والأنفاق، ثم تقف على ملامح العيد من جديد، فهو عيد يخبئ داخله أفراحا مكبوتة، ويصر على أن ينثر الحلم فوق صقيع المدن الأخرى، فتنتشي دمشق أو تتصلب القاهرة أو تستعيد بغداد زمن الرشيد. كم هو حار ذلك العيد القادم من وحي الحصار، ومن المرثيات التي سفحت أمام غبار غزة، وكم هو حارق ذلك اللهيب القادم من المدن العربية، ففي غزة ينعقد لواء الشمال والجنوب والغرب والشرق، ثم يقدم وليمة من "الحلم" الذي غاب طويلا، فهل أستطيع أن أكبت صرختي صبيحة العيد؟ أم أنني سأحبس الصوت بانتظار الحدث القادم؟ هي غزة أرض الاحتمالات ومساحة تعزل العالم داخل وجوه "الملثمين" أو المزنرين بالرصاص، ثم تترك للبحر مساحة الحرية التي تبنيها وسط الحصار. وفي غزة يمكن أن أتوارى خلف حشمة النساء، لكنني في النهاية أنتعش لمجرد البقاء، وأنتشي مع اختلاط تفاصيلي بأرض تختزن عشقي وتحمل معها الخصب الذي أحلم به.. هل هي غزة التي أريدها صبيحة العيد؟ هل هي نفس الصورة التي كنت أرسمها عندما أراقب مراكب الصيادين؟ هل بقيت شمسها بنفس اللهيب الذي يصفعني صيفا فأتذكر أن عرقي هو من لون المدينة؟ لا أعرف كلمات جديدة لـ"غزة"... ولا أعرف هل أستطيع فتح كرنفال مختلف عما سبق.. المهم أن غزة مازالت تمتزج بجسدي.