لا بد أن هناك بقعة صغيرة يمكن أن أحلم بها، فعندما تحاصر الوثائق كل التفاصيل فإنني أتذكر تلك القطة القادرة على الخروج من كومة "غبار" أو التخلص من الفوضى فيظهر وجهها وكأنه عالم آخر، أو تصبح عيناها نافذة غير متوقعة في لحظة اعتقدنا فيها أن لا جمال وسط ما يحدث. هو مشهد فقط تتدحرج فيه الكلمات التي ترجمت أو تلك التي بقيت خارج النص، ولكنني لا أنتقي، فأبقى في مساحة "الخدر" الذي طالما انتقدته أجيال سابقة عندما كانت ام كلثوم تغني، فأصيح... أنت عمري... وأنت الوطن الباقي أو النافذة التي أطل بها على كون أرحب حتى ولو حمل الكثير من الفوضى، فيكفي أنني أستطيع التخلص من الركام المتناثر في مساحات العالم. لأول مرة يصبح الوطن أرحب من العالم ويغدو "العشق" مهربا لا بد منه كي يصبح العمر مفتوحا على كل الاحتمالات، فليس هناك من متعة أفضل من البقاء في ساحة يمكن فيها العبث وبشكل مكشوف، ويمكن أن نعشق لمجرد أننا قادرون على الحب وعلى كسر اعتياد الحياة المستمرة ربما من قبل أن تبدأ البشرية بفرض "نمذجتها" على العواطف والأحلام وحتى الخيال. أنت عمري في عالم مكشوف، وفي عالم لا يملك حدودا، وأنت وطني في زمن لم يعد بالإمكان أن نبقى فيه معزولين أو منبوذين او محاصرين بالسرية، فقبل ويكيليكس كان هناك خيال خاص في استيعاب الحياة ورسمها، وبعدها هناك أيضا خيال من نوع فريد يمكن فيه التحرر من كل الوجوه أو الانفلات من محاصرة السياسات، ثم أستوعب أو نستوعب الوطن من جديد، ونفهم أن "الآخر" معشوقا كان أو عاشقا سيظهر فجأة على المساحة الافتراضية فيلغي كل المسافات ويتركنا نمارس الحياة على شاكلة غير متوقعة. هل أنحاز إلى التطرف الذي يجعل العالم خارج المتوقع، وبعيدا عن التصورات التي رُسمت ويعاد تكرارها كل صباح؟ هل يمكن لـ"ويكيليكس" تغير المشهد الذي ألفناه منذ أن أبصرنا النور؟ هل بالفعل يمكن لحدث على "المساحة الافتراضية" تحطيم الجدران التي تحيط بنا فننطلق خارج المألوف؟ لا أعرف بالضبط كيف شكلت ظاهرة تتفاعل في مجال السياسة "عوالم" إضافية فاستطعت اكتشاف "دهاليز" العمر من جديد، أو نسيان "القواعد" التي تلقيتها في طفولة فتمردت عليها لكنها بقيت مساحة ظل دائمة... فالعالم الذي يتحول ينقلب بنا على شاكلة غير سياسية، وهو يدعونا إلى "مائدة" ربما تشبه الرمزية التي حصلت مع انتشار المعتقدات سابقا. "أنت عمري" تشكل شريطا ممزوجا بالوثنية والإيمان والحب والغضب، وتحمل "وطنا" لا يشبه بصورته أي وطن آخر معروف أو مألوف أو حتى "مُتخيل"، فلأنك عمري أدرك أنني مفتونة بانفجار الحياة التي أتعلمها كل لحظة، ثم أستفيق لأعرف أنني سأتعلم من جديد.