الكاتب : مازن بلال

الموضوع ليس في "الإعلام" بذاته، وما يدعو للاستغراب أن هاجس الأجهزة الإعلامية طغى على مساحة الحدث السوري وكأنه القضية الكبرى، وعلى ما يبدو فإن "القدرة التقنية" تحمل معها أوهام حقيقية في مسألة التعامل مع الحدث السوري، فمن البداية كان واضحا أن الفضائيات ليست جزء من المعركة بل هي تسعى لأن تجعل المعركة على الشاشات فقط.

عمليا ومهما تحدثنا بإسهاب عن ضرورة إصلاح أجهزة الإعلام فإن القضية أساسية هي خارج هذه الدائرة، ومن الصعب الاقتناع بأن شريطا مصورا لا يتجاوز الدقيقة تم وضعه على اليوتوب أشعل "فتيل ثورة"!! أو حتى بضع صفحات على الإنترنيت كانت قادرة ودون جيش من المدونين كانت قادرة على جعل الشارع السوري بالصورة التي نراها اليوم، رغم أن كل ما حدث لم يخلق أية إرادة عامة متوافقة مع طروحات هذه الصفحات، فالمسألة ودون الدخول في صياغة "المؤامرة" تحمل أبعادا متداخلة لكنها من خلال وسائل الإعلام تبدو بسيطة جدا ومفهومة وكأنها رواية لها بداية وحبكة ونهاية.

خلال الحدث السوري الحالي يمكننا تسجيل مجموعة ملاحظات أساسية ربما تفتح أسئلة في مساحة أخرى: لا يمكن مقارنة ما حدث في سورية بأي حدث آخر في نفس المنطقة، لا من حيث الظروف الموضوعية ولا الذاتية، وهو ما يدفع إلى إلغاء كافة المقاربات ففي سورية من الصعب الحديث عن مظاهرات مليونية، ومن الصعب الحديث عن مظاهرة سلمية بالكامل كما اتضح من سير الحدث.

الإعلام كان يسير على سياق له علاقة بتجارب الثورات في كل من مصر وتونس، وهو امر يبدو غريبا لأن كافة مكونات الحدث السوري لم تكن تحمل مثل هذا السياق، وربما اجتهد البعض في جعل درعا وكأنها رمز خاص يحيلنا إلى المناطق التي خرج منها "بوعزيزي" وفجرت الثورة التونسية، رغم ان نفس هؤلاء الأشخاص لم يدخلوا بمقاربة مشابهة عندما اندلعت الثورة المصرية ومن شوارع القاهرة ومدنها وليس الريف الذي بالطبع شارك في تلك الثورة.

هناك "وهم" واضح في رسم "الشارع السوري" خلال الحدث، فلم يكن هناك حاجة لتضخيم أعداد المتظاهرين، لأن "التظاهر بذاته في سورية حتى ولو كان بالعشرات أو حتى أقل يحمل دلالات مختلفة تماما، وما حدث في الشهرين الماضيين يوضح أن أي "احتجاج" حتى ولو لم يستطيع خلق إرادة عامة فإنه سيؤثر حكما على المسيرة السورية ككل، وهذا الأمر لا علاقة له بقانون الطوارئ ولا حتى بالنظام السياسي، فهو مرتبط بالتكوين السياسي- الاجتماعي في سورية، فأي احتجاج له تداعيات مختلفة نوعيا عن أي بلد آخر.

حتى ولو استمرت المعارضة السورية في الخارج وبعض النشطاء في الداخل يتحدثون عن رواية مختلفة عن الرواية الرسمية فإن المسألة الأساسية هي في النتائج التي آلت إليها حركة الاحتجاج، وليس في الرغبات التي حكمت من تظاهر أولا، فمسألة المظاهر المسلحة لا يمكن إنكارها ولو تحدثت المعارضة عن روايات افتراضية مجرد ذكرها يحمل حالة من الفوضى، والسؤال هنا هل كانت الاحتجاجات منذ البداية تعرف أنها ستحمل السلاح في وقت لاحق؟

المسألة اليوم ليست في الاحتجاج ولا في شعارات الحرية التي رفعت في بدايتها إنما في السياق الذي سارت عليه، وسواء كانت هناك مؤامرة أم لم تكن، إلا ان النتيجة النهائية هو ان مسار الحدث وصل إلى نقطة خطرة جدا، وهو ما يدفع إلى التفكير من جديد بالممكنات السياسية المتوفرة رغم الحالة الأمنية، وعندما نتحدث عن ممكنات سياسية فهو موضوع لا يخص الدولة أو السلطة السياسية فقط، بل لا بد من مراجعة الحدث ومحاولة البحث عن حلول للمستقبل.

المسألة ليست في الإعلام فهو يمكن أن يأخذ مساحته الطبيعية عندما يستطيع المجتمع فرز حراك سياسي جديد، أو يستطيع أن يتجاوب مع الحالة الحساسة التي تعيشها البلاد، فسياق الاحتجاجات لا يحمل معه أي جديد طالما ان البعض أصبح يراهن على "وحدة المجتمع"، وبات يحاول رسم سورية بطريقة "الكر والفر" وكأننا في حلبة يجب أن يحكمها الدم بدلا من التفاعل السياسي والاجتماعي.